الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حكم الفَصْل فيما أجمعوا على الجَمْع فيه
ص: وعدمُ (1) الفَصْل (2) فيما جمعوه فإن جميع ما خالفهم يكون خطأً لتعيُّن الحق في جهتهم.
الشرح
قال الإمام فخر الدين: ((إن قالوا لا يُفْصَل (3) بين المسألتين لم يَجْز الفَصْلُ، وكذلك إن علم أن طريقة الحكم واحدة في المسألتين، وإن لم يكن كذلك فالحق جواز الفرق، وإلا كان من وافق الشافعي في مسألةٍ لدليلٍ يلزمه أن يوافقه في الكل. وإنما لم يَجُز الفصل؛ لأنهم صرحوا بعدمه فيكون عدمه هو الحق، والفصلُ باطلاً (4) فيمتنع، ومثاله: ذوو الأرحام، اتفقوا على عدم الفصل بينهم، فمن ورَّث العَمَّة ورَّث الخالة بموجِب القرابة والرَّحِم، ومن لم يورِّث العمَّة لم يورِّث الخالة لضعف* القرابة
(1) وأما مثال ما يجوز فيه إحداث قول ثالث ـ لأنه لا يرفع ما اتفق عليه ـ فهو: اختلافهم في جواز أكل المذبوح بلا تسمية. قال بعضهم: يَحِلُّ مطلقاً سواء كان الترك عمداً أم سهواً وهو مذهب الشافعية. وقال آخرون: لا يَحِلُّ مطلقاً وهو مذهب ابن حزم. فإحداث قولٍ ثالثٍ وهو التفريق بين العمد فلا تَحِلُّ والسهو فتحِلُّ لا يكون خرقاً للإجماع، وبه قال الأحناف والمالكية والحنابلة، انظر: المحلى لابن حزم 7/412، الحاوي الكبير للماوردي 15/10، 95، تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق للزيعلي 5/288، الذخيرة للقرافي 4/134، الروض المربع للبهوتي ص480.
() العطف هنا معناه: أن قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا تجتمع أمتي على خطأ)) الذي ذكره المصنف في المتن قبل السابق يدل على عدم الفصل فيما جمعوه. أما صورة المسألة وشرحها فسيأتي في الشرح. أما الأقوال فيها فهي ثلاثة: الجواز مطلقاً، والمنع مطلقا، والتفصيل بين أن يُصرِّحوا بعدم الفصل في المسألتين أو تكون العلة في القولين واحدة، فلا يجوز الفصل حينئذٍ وإلا جاز. انظر: العدة لأبي يعلى 4/1116، إحكام الفصول ص499، شرح اللمع للشيرازي 2/730 التمهيد لأبي الخطاب 3/314، الوصول لابن برهان 2/110، بذل النظر للأسمندي ص559، نهاية الوصول للهندي 6/2534، التوضيح لحلولو ص281.
(2)
في ق: ((التفصيل)) .
(3)
في ق: ((لا فصل)) .
(4)
في ن: ((باطل)) وهو صحيح إذا كانت الواو للاستئناف في قوله: ((والفصل باطل
…
)) والمثبت ((باطلاً)) باعتبار أن الواو للعطف لكونها خبر ((فيكون)) .
عن التوريث فلا يجوز لأحدٍ أن يورث العمَّة دون الخالة، ولا الخالة دون العمَّة (1) ، فالطريقة واحدة في المسألتين..)) (2) .
وإن كان المدرك مختلفاً، بأن يقول [أحد الفريقين] (3) : لا أورِّث الخالة لأنها تُدْلي بالأم، ويقول الآخر: لا أورِّث (4) العمَّة لبعدها من الأب، جاز (5) بسبب أن اختلاف المدارك يسوِّغ ذلك، لأنه إذا قال: أورِّث العمة لشائبة الإدلاء بالأب ولا أورِّث الخالة لإدلائها بالأم، وجهة الأمومة ضعيفة. فهذا قد قال بالتوريث في العمَّة، وقد قاله بعض الأمة، فلم يَخْرِق الإجماع، وقال بعدم التوريث في الخالة، وهو قول بعض الأمة، فلم يخرق الإجماع، وكذلك قال باعتبار ما اعتبره من العلة بعضُ الأمة، وبإلغاء ما ألغاه بعض الأمة، فلم يخالف (6) الإجماع. أما لو كانت الطريقة واحدة كما في التمثيل الأول كان خارقاً (7) للإجماع باعتبار المدرك، لأن كل من قال باعتبار أحد المدركين قال باعتباره في الجميع، وانعقد الإجماع (8) على أنه إذا أُلغيت إحدى العلتين بقيت (9) الأخرى، فالقول بإلغائها في البعض دون اعتبار الآخر خلاف الإجماع.
(1) مسألة توريث ذوي الأرحام ـ وهم الأقارب الذين لا فَرْض لهم ولا تعصيب ـ فيها قولان مشهوران، الأول: عدم توريثهم، فإذا لم يوجد مَنْ يرث فرضاً أو تعصيباً فإن المال يذهب إلى بيت المال، وبه قال زيد ابن ثابت رضي الله عنه والمالكية والشافعية. الثاني: يرثون إذا لم يوجد العاصب ولا صاحب الفرض ما عدا أحد الزوجين، وهو قول جمهور الصحابة والفقهاء والحنفية والحنابلة. ثم اختلف هؤلاء في كيفية توريثهم، أهو كالتعصيب أم بتنزيلهم منزلة من أدْلَوا به؟ انظر المسألة مبسوطة في: المبسوط للسرخسي 30/2، الحاوي للماوردي 8/73، المغني لابن قدامة 9/82، الذخيرة للقرافي 13/53، التحفة الخيرية على الفوائد الشنشورية للباجوري ص217.
(2)
انظر: المحصول 4 / 130.
(3)
ما بين المعقوفين في ق: ((واحد)) .
(4)
في ق: ((أرث)) وهو تحريف.
(5)
في ق: ((التفصيل)) .
(6)
في ق: ((يخرق)) .
(7)
في ن: ((خلافاً)) .
(8)
ساقطة من ن.
(9)
في ق: ((ثبتت)) .
ومن هاهنا حسن التنظير بالشافعي رضي الله عنه، فإن الإنسان إذا وافقه في مسألة لمدركٍ فقد اعتقد صحة ذلك المدرك، فيلزمه أن يتبعه في فروع ذلك المدرك كلها. أما إذا كانت مدارك الشافعي رضي الله عنه مختلفةً (1) كما هو الواقع فلا يلزم من موافقته في مسألة موافقته في جميع المسائل؛ لأن مدرك تلك المسائل غير مدرك تلك المسألة، فكذلك الأمة توافق بعضها في بعض مداركه، ولا توافق في البعض الآخر، فلا جَرَم صحَّ التفريق فيما قالوا فيه بعدم الفصل إذا اختلفت المدارك.
قال القاضي عبد الوهاب في " الملخص "(2) : إن عيَّنوا الحكم وقالوا لا يُفْصَل (3) حَرُم الفَصْل، وإن لم يُعيِّنوا ولكن أجمعوا عليه مجْملاً فلا يعلم تفصيله إلا بدليلٍ غير الإجماع، فإنْ دل الدليل على أنهم أرادوا مُعيناً تعيَّن أو أرادوا العموم تعيَّن العموم، وإن لم يدل دليل حصل العموم أيضاً، فإنَّ ترك البيان مع الإجمال (4) دليل التعميم، ومتى كان مدرك أحد الصِّنْفين مختلفاً أو جاز أن يكون مختلفاً جاز التفصيل بين المسألتين.
إحداث قول ثالث، والفصْل فيما جمعوا بينهما
ص: وإذا اختلف أهل (5) العصر الأول على قولين [لم يَجُزْ](6) لمن بعدهم إحداث قولٍ ثالثٍ عند الأكثرين، وجوزه أهل الظاهر (7) . وفصَّل الإمام فقال: إنْ لزم منه خلاف ما أجمعوا عليه امتنع وإلا فلا، كما قيل: للجدِّ كل المال، وقيل: يقاسم الأخ، فالقول بجعل المال كلِّه للأخ [مناقض للأول](8) . وإذا أجمعت (9) الأمة
(1) في ن: ((مخلفة)) وهو تحريف.
(2)
انظر قوله في: البحر المحيط للزركشي 6 / 522، وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية إليه في المسودة ص 328. وانظر: شرح الكوكب المنير 2 / 269.
(3)
في ق: ((فصل)) .
(4)
في ق: ((الإجماع)) وهو تحريف.
(5)
ساقطة من ق.
(6)
في متن هـ: ((فلا يجوز)) .
(7)
هنا زيادة: ((والحنفية)) في متن هـ خلت منها جميع نسخ المتن والشرح. وهذا مذهب بعض الحنفية. انظر هامش (4) ص (129) .
(8)
في ق: ((يناقض الأول)) .
(9)
في ن، متن هـ:((اجتمعت)) .
على عدم الفصل بين مسألتين (1)[لا يجوز](2) لمن بعدهم الفصل بينهما.
الشرح
[هذه هي (3) التي تقدَّمت، وقد (4) تقدَّم بسطها (5) ، غير أني قدمتها](6) في أول الكلام مجْملةً، ثم ذكرتها مفصَّلة (7) .
والفرق بين قولهم: لا يجوز إحداث القول الثالث، وبين قولهم: لا يجوز
الفصل بين مسألتين؛ أن القول الثالث يكون في الفعل الواحد [في ذاتٍ واحدةٍ](8)، كما نقول في سِبَاع الوحوش: قال بعضهم هي حرام (9) ، وقال بعضهم ليس بحرام (10) ، فالقائل (11) بأن (12) بعض السباع حرام وبعضها ليس بحرام خارق للإجماع فيكون باطلاً (13) ، وعدم الفصل يكون (14) في مسألتين مثل (15) توريث ذوي الأرحام [كما
(1) في متن هـ: ((مُسْلِمين)) وهو تحريف.
(2)
في متن هـ: ((لم يجز)) .
(3)
ساقطة من ن.
(4)
ساقطة من س.
(5)
انظر ص (129) .
(6)
ما بين المعقوفين في ق هكذا: ((هذه تقدَّم ذكرها)) .
(7)
أي ذَكَرها في المتن أولاً مجملة حينما قال: ((وعلى منع القول الثالث)) ثم ذكرها هنا في المتن مفصلة. لكن المصنف بسط شرحها عند أول ذكرها.
(8)
ما بين المعقوفين ساقط من ق، ن.
(9)
وهو ظاهر مذهب الحنفية. انظر: شرح فتح القدير لابن الهمام 9 / 510.
(10)
وهو مذهب بعض المالكية، الكراهة دون التحريم. انظر: القوانين الفقهية لابن جُزَيّ ص166، مواهب الجليل 4/356.
(11)
في ق: ((فالقول)) .
(12)
ساقطة من ن.
(13)
كيف يكون خارقاً للإجماع والفريقان لم يتفقا على قَدْر مشترك بينهما؟ بل القول الثالث هنا موافق لكل واحدٍ من القولين في وجه، ومخالف له في وجهٍ آخر. ولهذا أباحت الشافعية: الضَّبُع والثعلب، والحنابلة: الضبع فقط، وحرَّموا ما عدا ذلك. فيتوجَّه أن يكون هذا مثالاً على جواز إحداث قول ثالث، لأنه لا يلزم منه خلاف ما أجمعوا عليه. والله أعلم. انظر: رفع النقاب القسم 2/491، المغني لابن قدامة 13/319، الروض المربع ص476، مغني المحتاج 6/148.
(14)
ساقطة من ن. والصواب إثباتها ليتحقق معنى الفرق بين: إحداث قول ثالث، وعدم الفصل فيما جمعوه، فالأول يكون في مسألة واحدة والثاني يكون في مسألتين. والله أعلم.
(15)
في س: ((مع)) ولا معنى لها.