الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب الثامن عشر
في التعارض (1) والترجيح (2)
وفيه خمسة فصول:
الفصل الأول
هل يجوز تساوي الأمارتين
؟
ص: اختلفوا هل يجوز (3) تساوي الأمارتين (4) ؟. فمنعه الكَرْخي (5) ، وجوَّزه الباقون (6) ، والمجوِّزون اختلفوا، فقال القاضي أبوبكر (7) منا وأبو علي وأبو هاشم (8)
(1) التعارض لغة: التقابل والممانعة، انظر: معجم المقاييس في اللغة، لسان العرب كلاهما مادة " عرض ". واصطلاحاً: هو التقابل بين الدليلين على سبيل الممانعة. انظر: بديع النظام (نهاية الوصول) لابن الساعاتي 2 / 695، البحر المحيط للزركشي 8 / 120، شرح الكوكب المنير 4 / 605. وعرَّفه صاحب نشر البنود (2 / 267) بأنه: أن يدل كلٌّ من الدليلين على منافي ما يدل الآخر.
(2)
الترجيح لغة: التَمْييل، انظر مادة "رجح " لسان العرب. واصطلاحاً: عرَّفه الآمدي بأنه: اقتران أحد الصالحين للدلالة على المطلوب مع تعارضهما بما يوجب العمل به وإهمال الآخر. الإحكام 4/239.
(3)
هنا زيادة ((اختلاف)) في ن وهي مدرجة خطأ؛ لاعوجاج المعنى بها.
(4)
تساوي الأمارتين وتكافؤ الأدلة من وجهة نظر المجتهد متفق على وقوعه، إنما محل النزاع ما في نفس الأمر والواقع. انظر: الموافقات للشاطبي 5/342، تشنيف المسامع 3/475، شرح البدخشي 3/204، وللمطيعي بحث نفيس في هذا، فراجعه في: سلم الوصول بحاشية نهاية السول 4/433-435.
(5)
انظر النسبة إليه في: بذل النظر ص658، فواتح الرحموت 2/243، الأقوال الأصولية للإمام أبي الحسن الكرخي ص121. والقول بالمنع هو مذهب الحنابلة واختيار بعض الشافعية وقال الزركشي:((وهو الظاهر من مذهب عامة الفقهاء)) سلاسل الذهب ص432، انظر: شرح العمد 2/293، العدة لأبي يعلى 5/1536، شرح اللمع للشيرازي 2/1071، المسودة ص446، 448، الإبهاج 3/199، جمع الجوامع بحاشية البناني 2/360، التوضيح لحلولو ص370، شرح الكوكب المنير 4/608، نثر الورود 2/582.
(6)
انظر: الوصول لابن برهان 2/333، 351، نهاية الوصول للهندي 8/3617، شرح العضد لمختصر ابن الحاجب 2/298، التمهيد للإسنوي ص505، نشر البنود 2/367.
(7)
انظر: إحكام الفصول ص755، المنهاج للباجي ص234، تقريب الوصول ص466.
(8)
انظر: شرح العمد 2/294، المعتمد 2/306.
يتخيَّر، ويتساقطان عند بعض الفقهاء (1)، قال الإمام رحمه الله: إن وقع التعارض في فعل واحد باعتبار حكمين فهذا متعذِّر (2) ،
وإن وقع في فعلين والحكم واحد كالتوجُّه إلى جهتين للكعبة (3) فيتخيَّر (4) . قال الباجي في القسم الأول (5) : إذا تعارضا في الحظر (6) والإباحة يتخيَّر (7)، وقال الأَبْهَري: يتعين الحظر (8) بناءً (9) على أصله أن الأشياءعلىالحظر (10)، وقال أبو الفرج: تتعين (11) الإباحة بناءً (12) على أصله أن الأشياء على الإباحة (13) ، فالثلاثة رجعوا إلى حكم العقل (14)
بناءً (15) على أصولهم (16) .
(1) أي: إن عجز عن الجمع والترجيح تساقط الدليلان كالبينتين إذا تعارضتا، ووجب التوقف حيئنذٍ. هذا الرأي نسبه الزركشي إلى ابن كُجّ. انظر: البحر المحيط 8/127.
(2)
في ق: ((يتعذر)) ..
(3)
في س: ((في الكعبة)) وليس في بقية النسخ ما يعضدها سوى: متن د، وفَرْقٌ بين التعبيرين، فالمثبت هو الصواب، لأن المراد - لإمكان حصول التعارض - التوجه إلى جهتين للقبلة، وهو تعبير المحصول (5/380) . أما التعبير بـ"في الكعبة" فهو لا يُحصِّل المراد لعدم تصوُّر التعارض في التوجّه إلى أي وجهٍ داخل الكعبة.
(4)
ساقطة من ن. هذا النقل عن الإمام بمؤدى كلامه. انظر المحصول 5/380 - 388.
(5)
وهو إذا وقع التعارض في فعل واحدٍ بين حكمين، وهما: الحظر والإباحة.
(6)
في س: ((الحضر)) وهو خطأ إملائي.
(7)
انظر: إحكام الفصول ص755، المنهاج للباجي ص234.
(8)
انظر النسبة إليه في: إحكام الفصول ص755، المنهاج للباجي ص234، تقريب الوصول ص466.
(9)
ساقطة من ن.
(10)
سبق بحث مسألة " حكم الأشياء قبل ورود السمع " عند المصنف ص 88 - 93 من هذا الكتاب
(المطبوع) .
(11)
في س ظ، ومتن هـ:((يتعين)) ، وهو جائز، انظر: هامش (11) ص 27.
(12)
ساقطة من ن.
(13)
انظر النسبة إليه في: تقريب الوصول ص (467) . أما أبو الفرج فهو: عمرو بن محمد الليثي البغدادي. إمام في القضاء. عنه أخذ أبو بكر الأبهري، من تآليفه: الحاوي في مذهب الإمام مالك، اللمع في الأصول. توفي عام 331هـ. انظر الديباج المذهب ص 309، شجرة النور الزكية 1 / 79.
(14)
مقتضى هذه العبارة أن مدرك هؤلاء الثلاثة في حكم الأشياء قبل ورود السمع هو حكم العقل. وهذا
- في الحقيقة - ما نفاه المصنف بعينه عنهم، وأثبت أن مداركهم في أصلهم هذا مدارك شرعية، خلافاً لأهل الاعتزال فإن مدركهم العقل. فصواب العبارة أن تكون: فالثلاثة رجعوا إلى حكم النص على أصولهم. والله أعلم. انظر ما قررَّه المصنف ص (92) من المطبوع. وانظر: رفع النقاب القسم 2/953.
(15)
ساقطة من متن هـ.
(16)
وجه هذا الرجوع أن الأمارتين عندهم لما تعارضتا تساقطتا، فلما تساقطتا رجع كل واحدٍ منهم إلى أصله في حكم الأشياء قبل ورود الشرائع.
الشرح
حجة منع تساويهما: أن (1) الظنون لها مراتب تختلف باختلاف العقول (2) والسجايا، [ولكن العقول والسجايا](3) غير منضبطة المقدار، [فما (4) نشأ (5) عنها غير منضبط المقدار](6) ، فيتعذَّر (7) تساوي الأمارتين (8) .
حجة الجواز: أن الغيم الرَّطْب المُسِفَّ (9) في زمن الشتاء يستوي العقلاء أو
عاقلان (10) فقط (11) في موجَبه وما يقتضيه حاله (12) ، وكذلك الجدار المتداعي للسقوط لابد أن يجتمع في العالم اثنان على حكمه، وإن خالفهما (13) الباقون، فيحصل المقصود، فإنا لا ندعي وجوب (14) التساوي بل [جواز التساوي](15) وذلك (16) كافٍ فيما
ذكرناه.
(1) ساقطة من ن.
(2)
في س: ((القبول)) وهو تحريف.
(3)
ما بين المعقوفين ساقط من س، ق.
(4)
في ق: ((فيما)) وهو تحريف.
(5)
في ن: ((ينشأ)) .
(6)
ما بين المعقوفين ساقط من س
(7)
هنا زيادة: ((عدم)) في ن، وهي مفسدة للمعنى.
(8)
معنى هذا أنه لابد أن تكون إحدى الأمارتين راجحة، والأخرى مرجوحة فيُعمل بالراجحة.
(9)
أسَفّ الطائر والسحابة وغيرهما: دنا من الأرض. والسحاب المُسِفّ هو المتداني من الأرض. انظر: لسان العرب مادة "سفف "، الإفصاح في فقه اللغة ص 478.
(10)
في ق: ((عاقلين)) وهو خطأ نحوي؛ لأنها معطوفة على مرفوع.
(11)
في س: ((قط)) وهو تحريف.
(12)
وهو هطول المطر.
(13)
في ن، ق:((خالفهم)) وهو جائز، لأنه قد يقع لفظ الجمع على التثنية، كما في قوله تعالى: {
…
إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ} [ص: 21] انظر: كتاب سيبويه 2/201، 296 شرح المفصل لابن يعيش 3/3.
(14)
في ن: ((وجود)) وهو تحريف.
(15)
في ق: ((جوازه)) .
(16)
هنا زيادة: ((فقط)) في ن.
حجة القول بالتخيير (1) : أن (2) التساوي يمنع الترجيح، والعمل بالدليل الشرعي واجب بحسب الإمكان، فإذا خيَّرناه بينهما فقد أعملنا (3) الدليل الشرعي من حيث الجملة، بخلاف إذا قلنا بالتساقط فإنه إلغاء بالكلية.
حجة التساقط: أنا (4) إذا خيرناه فقد أعملنا (5) دليل* الإباحة، والتقدير أنه (6) مساو (7) لأمارة الحظر، فيلزم الترجيح [من غير مرجِّح](8) .
ولأنهما (9) إذا تعارضا لم يحصل في نفس المجتهد ظن، وإذا فُقِد الظنُّ والعلم حَرُمت الفتيا.
والجواب عن الأول: لا نسلم أنه ترجيح لأمارة الإباحة من حيث هي أمارة إباحة، بل هذا التخيير نشأ عن التساوي لا عن أمارة الإباحة، وقد تشترك المختلفات في لازم واحد (10) ، فلم (11) يلزم الترجيح من غير مرجح.
وعن الثاني: أن ظن اعتبار أحدهما عيناً منفي (12) ، أما ظن التخيير الناشيء عن التساوي فلا نسلم أنه غير حاصل.
وقول الإمام: ((هذا يتعذر في حكمين في فعل واحد)) ليس كما قال، المتعذِّرُ ثبوت حكمين لفعل واحد من وجهٍ، أما ثبوتهما له من وجهين فليس كذلك، كالصلاة
(1) في ق: ((التخير)) .
(2)
في س: ((أو)) وهو تحريف.
(3)
في ن: ((عمَّلنا)) .
(4)
هذا الدليل الأول
(5)
في ن: ((عمَّلنا)) .
(6)
في ن، س:((أنها)) ويكون مرجع الضمير "الإباحة" أو "أمارة" المضمَّنة في معنى " الدليل ".
(7)
في ن: ((مساوية)) ، وفي س:((متساوية)) .
(8)
ساقط من س
(9)
هذا الدليل الثاني
(10)
كاشتراك الإنسان والفرس في الحيوانية.
(11)
في س، ن:((ولا)) .
(12)
في ن: ((منفياً)) وهو خطأ؛ لأن خبر " إن " مرفوع.
في الدار المغصوبة حرام وواجبة، وليس (1) من ذلك تعارض الأمارتين فإنَّا [لم نقل](2) بمقتضاهما (3) ، بل قلنا اقتضيا (4) حكمين متضادين، فلو امتنع ذلك (5) لامتنع وجود المقتضي والمانع في جميع صور (6) الشريعة وليس كذلك (7)، فلا محال حينئذٍ. ومثاله في حكم واحد في فعلين: أن تدلَّه أمارة على أن القبلة في استقبال جهةٍ (8) وأمارة أخرى على أنها في استدبار تلك الجهة، فالاستقبال والاستدبار فعلان وحكمهما واحد، وهو وجوب التوجه، فيتخيَّر في الجهتين (9) كما قاله الإمام.
ورجَّح السيف الآمدي الحظر على الإباحة عند التعارض بثلاثة أوجهٍ (10) :
أحدها: أن الحظر إنما يكون لتضمن المفاسد، وعناية (11) الشارع والعقلاء بدرء (12) المفاسد أعظم من رعايتهم (13) لتحصيل المصالح، فيقُدَّم الحظر عنده على الواجب والمندوب والمباح.
وثانيها: أن القول بترجيح الحظر يقتضي موافقة الأصل، فإن موجبه عدم الفعل، وعدم الفعل هو الأصل، أما الوجوب ونحوه فموجِبه الفعل (14) وهو خلاف الأصل.
(1) في س: ((وأيسر)) وهو تحريف؛ ولهذا قال ابن عاشور، حسب النسخة التي اطلع عليها ((لم أفهم كونه أيسر
…
)) حاشية التوضيح 2 / 93.
(2)
في ن: ((لا نقول)) .
(3)
في ن: ((لمقتضاهما)) وهو تحريف.
(4)
في ق: ((اقتضا)) وهو تحريف.
(5)
ساقطة من ن
(6)
في ن: ((الصور)) وهي مختلَّة بما بعدها.
(7)
قول المصنف هنا ((فلو امتنع ذلك لامتنع وجود المقتضي والمانع
…
إلخ)) ، هو استدلال بمحل النزاع، فإن مذهب الإمام الرازي منع اجتماعهما، وقد تقدَّمت شبهة الإمام والرَّد عليها في باب القياس. انظر
ص 384 - 385.
(8)
في ن، س:((وجهة)) .
(9)
في ن: ((الوجهين)) .
(10)
انظر: الإحكام 4/259-260. علماً بأن الآمدي رجَّح تقديم الحظر على الإباحة بوجهٍ واحد، وتقديم الحظر على الوجوب بوجهين، فالمصنف دمج الأمرين معاً، ولو قال: رجَّح الآمدي الحظر على الإباحة والوجوب عند التعارض بثلاثة أوجهٍ، لكان أسدّ.
(11)
في ق: ((رعاية)) .
(12)
في ق: ((لدرء)) .
(13)
في س: ((عنايتهم)) .
(14)
في س، ن:((العقل)) . وهو تحريف