الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثاني
في حكمه
(1)
ص: وهو عند الكَافَّة حجةٌ خلافاً للنَّظَّام (2) والشيعة (3) والخوارج (4)(5) . لقوله
(1) انظر الأدلة على حجية الإجماع والمناقشات في: الرسالة للشافعي 403، 471 ـ 476، المعتمد 2/4، الإحكام لابن حزم 1/539، العدة لأبي يعلى 4/1058، إحكام الفصول ص437، أصول السرخسي 1/295، المستصفى 1/328، التمهيد لأبي الخطاب 3/224، المحصول للرازي 4/35، تحفة المسؤول للرهوني القسم 1 / 469، فواتح الرحموت 2/397.
(2)
في متن هـ: ((للناظم)) وهو خطأ. وهو أبو إسحاق إبراهيم بن سَيَّار بن هانيء البصري، سُمِّي بالنظَّام، لأنه كان يَنْظُم الخرز بسوق البصرة. كان يُظْهر الاعتزال، وتُنْسب إليه الفرقة " النظَّامية " من المعتزلة. وهو شيخ الجاحظ وابن أخت أبي الهُذَيل العلَاّف. قال ابن السبكي في الإبهاج (2/353) :((وإنما أنكر الإجماع لقصده الطعن في الشريعة، وكذلك أنكر الخبر المتواتر مع قوله: إن خبر الواحد قد يفيد العلم!! وأنكر القياس، وكل ذلك زندقة، وله كتابٌ نَصَر فيه التَّثْلِيث على التوحيد، وإنما أظهر الاعتزال خوفاً من سيف الشرع، وله فضائح عديدة، وأكثرها طعن في الشريعة المطهرة)) . توفي عام 231هـ انظر تاريخ بغداد 6/97، فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة ص70، 264. وللدكتور محمد عبد الهادي أبو ريدة كتاب:((إبراهيم بن سيار النظام وآراؤه الكلامية)) إصدار لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة، عام 1365هـ.
(3)
الشيعة: هم الذين شايعوا علياً رضي الله عنه، وقدموه على سائر الصحابة رضي الله عنهم، بل قالوا بأحقيته في الإمامة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، واعتقدوا بأن الإمامة لا تخرج عن أولاده، وأنهم معصومون عن الذنوب. وهم فِرَقٌ شَتَّى، منهم الغالية الكافرة، ومنهم دون ذلك، ويُسَمَّون أيضاً بالرافضة. انظر: مقالات الإسلاميين للأشعري 1/65، الملل والنحل للشهرستاني 1/169، كتاب: الشيعة والتشيع لإحسان إلهي ظهير وكتبه الأخرى قيِّمة في هذا الموضوع.
(4)
الخوارج: فرقة ضالة، كان أول نشأتهم خروجهم على الإمام علي رضي الله عنه في أعقاب معركة صِفِّين سنة 37هـ. وهم فِرَقٌ شَتْى، تُجْمِع أصولُهم ـ على اختلافهم ـ على تكفير مرتكب الكبيرة وتخليده في النار، ووجوب الخروج على الحاكم الجائر، ويُسَمَّون أيضاً بالحَرُوريَّة والنواصِب..وَرَدَ في ذمِّهم أحاديث صحيحة.
انظر: مقالات الإسلاميين 1/167، الملل والنحل 1/131، كتاب: الخوارج، تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها، د. غالب بن علي عواجي.
(5)
نقل المصنف في نفائس الأصول (6/2576) عن القاضي عبد الوهاب في " الملخص " بأن النظَّام قال بالإجماع، لكن عند تأمّل قوله ـ أي النظام ـ يقتضي عدم القول به. والرافضة تقول بالإجماع إذا وافقهم الإمامُ المعصومُ، فالحجة في قوله لا الإجماع. والخوارج قالوا بالإجماع من الصحابة قبل حدوث الفرقة والفتنة، وبالإجماع ممن بعدهم من أهل شيعتهم، لأن غيرهم ليس بمؤمنٍ عندهم. ونقل المصنف أيضاً عن ابن برهان في الأوسط: بأن المرجئة لا تقول بحجية الإجماع. انظر: منهج التحقيق والتوضيح لمحمد جعيط 2/121 وانظر مذاهب هذه الفرق الضالة في: المغني المجلد (17) قسم الشرعيات للقاضي عبد الجبار ص 160، المعتمد 2/4، البحر المحيط للزركشي 6/384، مبادىء الأصول إلى علم الأصول لأبي منصور جمال الدين الحِلِّي ص 190 (وهو كتاب في أصول فقه الشيعة) . شرح طَلْعة الشمس على الألفية لأبي محمد عبد الله السالمي 2/66 (كتاب في أصول فقه الأباضية من الخوارج) .
تعالى {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ} جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا (1) وثبوت الوعيد على المخالفة يدل على وجوب المتابعة (2) . وقوله عليه الصلاة والسلام*: ((لا تجتمعُ أمتي على خطأ)) (3) يدل على ذلك.
الشرح
أيضاً (4) قوله تعالى {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} (5) . قال أئمة اللغة (6) والمفسرون (7) : الوَسَط الخيار، سمي الخيار وَسَطاً: لتوسُّطه بين طَرَفَي الإفراط والتفريط، وإنما يحسن هذا المدح إذا كانوا على الصواب (8) .
(1) النساء الآية: 115.
(2)
تتمة وجه الدلالة من الآية: والإجماع من سبيل المؤمنين فيجب اتباعه. وتعتبر هذه الآية من أشهر الأدلة على حجية الإجماع. ويُذْكر في الاستدلال بها على الإجماع قصة لطيفة وقعت للشافعي رحمه الله تعالى. انظرها في أحكام القرآن للشافعي 1/39.
(3)
سبق تخريجه.
(4)
ساقطة من ن.
(5)
البقرة، من الآية:143.
(6)
انظر: الصحاح للجوهري، لسان العرب كلاهما مادة " وسط ". وانظر: عمدة الحفاظ للسَّمِين الحلبي 4/309.
(7)
انظر: جامع البيان للطبري 2/10، التفسير الكبير للفخر الرازي 4/88، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 2/153.
(8)
تتمة وجه الدلالة من هذه الآية: فيكون الله عز وجل أخبر عن خيرية هذه الأمة، فلو أقدموا على شيء من المحظورات لما اتصفوا بالخيرية، وإذا ثبت أنهم لا يقدمون على شيء من المحظورات وجب أن يكون قولهم حجة. انظر: المحصول للرازي 4/66.
وقوله تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} (1) . وجه التمسك به (2) : ذِكْرُهم في سياق المدح يدلُّ على أنهم على الصواب، والصواب يجب اتباعه، فيجب اتباعهم. ولأنه تعالى وصفهم بأنهم يأمرون بالمعروف، واللام للعموم، فيأمرون بكل معروفٍ، فلا يفوتهم حقٌّ؛ لأنه من جملة المعروف، ولقوله تعالى:{وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَر} (3) والمنكر باللام يفيد أنهم ينهون عن كل منكر، فلا يقع الخطأ بينهم (4) ويُوَافِقُوا عليه، لأنه منكر.
والعمدة الكبرى: أن كل نص من هذه النصوص مضمومٌ للاستقراء التام (5) من نصوص القرآن والسنة وأحوال الصحابة وذلك (6) يفيد القطع عند المطَّلِع عليه، وأن هذه الأمة معصومة من الخطأ وأن الحق لا يفوتها* فيما تثبته (7) شرعاً والحق واجب الاتباع، فقولهم واجب الاتباع.
احتجوا: بأن اتفاق الجمع العظيم على الكلمة الواحدة مُحالٌ في مجاري العادات، كما أن اتفاقهم على الميل إلى الطعام الواحد في الزمان الواحد محالٌ (8) .
(1) آل عمران، من الآية:110.
(2)
ساقطة من ن.
(3)
آل عمران، من الآية 104، 114. التوبة، من الآية 71.
(4)
في ق: ((منهم)) .
(5)
سبق تعريف " الاستقراء " هو ينقسم إلى قسمين: الاستقراء التام وهو: إثبات الحكم في جزئي لثبوته في كلِّي على الاستغراق. والاستقراء الناقص: وهو إثبات الحكم في كلِّي لثبوته في أكثر جزئياته من غير احتياج إلى جامعٍ، ويسمى عند الفقهاء: إلحاق الفرد بالأعم الأغلب.
فالأول حكمه يفيد القطع، والثاني يفيد الظن. انظر: الإبهاج 3 / 173، البحرالمحيط للزركشي 8/6، شرح الكوكب المنير4/418.
(6)
ساقطة من ن.
(7)
في س: ((يثبته)) . والمثبت هو الصواب. انظر: هامش (6) ص 109.
(8)
هذا الدليل الأول، أورده المصنف حجةً لمنكري حجية الإجماع. ولكنه في الحقيقة دليل على من يقول بعدم إمكان الإجماع. انظر: منهج التحقيق والتوضيح لمحمد جعيط 2/123. ومسألة إمكان الإجماع والاطلاع عليه أو العلم به انظرها بتفصيل في: تحفة المسؤول للرهوني القسم 1 / 467، حجية الإجماع
د. محمد فرغلي ص 79.
ولأن الله تعالى نهاهم عن المنكر بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} (1) ، {وَلَا تَقْرَبُواْ الزِّنَى} (2) ، {وَلَا تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَاّ بِالحَقِّ} (3) ، وغير ذلك من النصوص، ولولا أنهم قابلون للمعاصي لما صح نهيهم عن هذه المناكير (4)(5) .
والجواب عن الأول: أن اتفاقهم في زمن الصحابة ممكن، ولا يكاد يوجد إجماعٌ اليومَ إلا وهو واقع في عصر الصحابة (6) رضي الله عنهم، واجتماعهم (7) حينئذٍ ممكنٌ لعدم انتشار الإسلام في أقطار الأرض. ولأن (8) مقصودنا أنه حجة إذا وقع، ولم نتعرض للوقوع، فإن لم يقع فلا كلام، وإن وقع كان حجة، هذا هو المقصود (9) . وعن الثاني: أن الصيغ
(1) النساء، من الآية:29.
(2)
الإسراء، من الآية:32.
(3)
الأنعام، من الآية: 151، والإسراء، من الآية:33.
(4)
في ن: ((المناكر)) وهو صحيح أيضاً، انظر مادة " نكر " في: لسان العرب، العين للخليل بن أحمد، وانظر: شذا العَرْف في فن الصَّرْف للحملاوي ص 144.
(5)
هذا الدليل الثاني لمنكري الإجماع. وتتمة حجتهم: فذلك يدل على عدم عصمة المؤمنين، فلا يكون الإجماع حجة. انظر: إحكام الفصول ص437، رفع النقاب القسم 2/482.
(6)
قال المصنف في نفائس الأصول (6/2552) : ((أكثر الإجماعات - بل الكلُّ إلا اليسير منها جداً ـ إجماع الصحابة رضوان الله عليهم، وكانت الصحابة محصورين، يُعلم أحوالهم وعددهم قبل انتشارهم في أقطار الأرض. وتطرُّق الشك إلى اليسير من الإجماعات لا يبطل هذه المسألة، ولا يقدح فيها، بل في تلك المسائل الفروعية التي يُدَّعَى الإجماع فيها)) .
(7)
في ق: ((وإجماعهم)) .
(8)
ساقطة من ن.
(9)
هناك جوابٌ أقرب، ذكره المصنف في نفائس الأصول (6/2550) مفاده: أن العادة قضت بتعذر اتفاق الجمع العظيم على شهوة الطعام الواحد، والميل إلى الكلمة الواحدة في الزمن الواحد، لأن هذه الأمور مبناها على الدواعي البشرية التي جُبلوا عليها، ودواعي البشر في الشهوة والنُّفْرة مختلفة جداً بل الشخص الواحد يخالف نفسه في ساعةٍ أخرى. أما اجتماع أهل الاجتهاد على حكم واحد فممكنٌ عادةً لوجود الداعي إليه من نصٍّ قاطعٍ أو ظنٍّ غالبٍ، كما لو رأى الجمعُ العظيمُ الغيمَ الرَّطِب في بلاد الأمطار والثلوج لاشتركوا جميعاً في ظن هطول المطر، وكذلك الرجل العدل الأمين يشترك كل من عرف حاله في ظن صِدْقِهِ وإن كانوا آلافاً، فظهر بهذا الفرقُ. وانظر: التوضيح لحلولو ص275.
العامة موضوعة في لسان العرب لكل واحدٍ واحدٍ (1) . لا للمجموع، فيكون كل واحد منهم (2)
غير معصوم، ولا نزاع في ذلك، إنما النزاع في مجموعهم لا في آحادهم، وقد تقدَّم بَسْطُ هذا في باب العموم (3) .
وأما إمام الحرمين في " البرهان "(4) . فسلك طريقاً آخر (5) ، وهو أن إجماعهم على (6) دليلٍ قاطعٍ أوجب لهم الاجتماع (7) ، فيكون قولهم حجة قطعاً لذلك القاطع، لا لقولهم (8) . والجمهور يقولون (9)
بل النصوص شهدت لهم بالعصمة (10) ، فلا يقولون إلا حقاً، استندوا لعلمٍ أو ظنٍّ. كما أن الرسول عليه الصلاة والسلام معصوم لا ينطق عن الهوى، وما يقوله في التبليغ يجب اعتقاد أنه حق، كان مستنده ظناً أو علماً، فالقطع نشأ عن العصمة لا عن المستند.
(1) ساقطة من ق.
(2)
المثبت هنا من ش، م، لأن عود الضمير إلى مجموع المؤمنين أنسب، يؤيده سياق الكلام بعده. بينما في
س، ق:((منها)) ربما كان عوده إلى الأمة، وفي ن:((منهما)) وهو تحريف.
(3)
انظر ص 180، ص 195 من شرح تنقيح الفصول (المطبوع) .
(4)
انظر: البرهان 1 / 436. والنقْل هنا بالفحوى ومُؤَدَّى الكلام. وانظر: رفع النقاب القسم 2/284.
(5)
السِّرّـ والله أعلم ـ في انتهاج إمام الحرمين هذا المسلك ـ وهو مسلك عقلي ـ أن الاستدلال على حجية الإجماع بالأدلة السمعية ـ كتاباً وسنهً كما هو صنيع الجمهور ـ يداخله التأويل ويتطرَّقه الاحتمال، ولا يسوغ التمسك بالمحتملات في مطالب القَطْع. انظر: البرهان 2/434-436. ويمكن أن يجاب عما أثاره إمام الحرمين من تضعيف الاستدلال بأدلة السمع على حجية الإجماع بأن حجيته استُفِيدتْ من مجموع أدلة الكتاب والسنة لا من دليلٍ واحدٍ بعينه، فالآيات الكثيرة والأحاديث العديدة وأمارات العقول تُنْتِج مجتمعةً أن الأمة الإسلامية لا تجتمع على ضلالة، والظن إذا احتفَّت به قرائن وتعاضدتْ مع كثرتها على معنىً واحدٍ كان ذلك مفيداً لحصول القطع. انظر: الإبهاج 2 / 364. وانظر: اختلاف العلماء في مستند حجية الإجماع: أهو السمع أم العقل أم هما معاً؟ في البحر المحيط للزركشي 6 / 386، إرشاد الفحول 1/292.
(6)
في ق: ((عن)) .
(7)
في ق: ((الإجماع)) .
(8)
معنى كلامه: أن الإجماع صار حجةً بالنظر إلى مستنده، فلما كان مُسْتَنِداً إلي نصٍ قطعيٍ صار قولهم حجةً، لأنهم لا يجتمعون على رأيٍ واحدٍ في مسألة إلا ونصُّها مقطوعٌ به من كتابٍ أو سنةٍ متواترةٍ.
(9)
في س: ((تقول)) ، ووجهه على تقدير: جماعة الجمهور. والمثبت أولى لعدم التقدير..
(10)
انظر: المحصول للرازي 4 / 101.