الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ضجيج أهل المدينة (1) ، وغير ذلك (2) حصل لهم العلم، فلذلك قبلوا تلك الرواية (3) . سلمنا عدم القرائن لكن ذلك فِعْل بعض الأمة، فليس حجة، ولعله مذهب لهم فإنه مسألة خلاف.
حكم نسخ السنة بالكتاب
ص: ويجوز نسخ السنة بالكتاب عندنا (4) خلافاً للشافعي رضي الله عنه وبعض أصحابه (5) .
لنا: نَسْخُ القبلة بقوله تعالى: {وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ} (6)
(1) انظر: المحصول للرازي 3 / 339، الكاشف عن المحصول للأصفهاني 5 / 275.
(2)
من كون الراوي صحابياً عظيماً يخشى افتضاح كذبه، وأن الصحابة كانوا يتوقعون تغير القبلة، بدليل تشوفه صلى الله عليه وسلم إلى تغييرها، قال تعالى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء
…
} [البقرة: 144] . انظر: نيل الأوطار للشوكاني 2 / 168.
(3)
لكن المصنف في نفائس الأصول (6 / 2481) قال: ((والأصل عدم ذلك (أي عدم القرائن)، والمروي أن المخبر أخبرهم في الصلاة فتحولوا فيها إلى القبلة)) . وذكر الغزالي بأن القول بالقرائن يؤدي إلى إبطال أخبار الآحاد. انظر: المستصفى 1 / 241، وانظر: إحكام الفصول ص 426.
(4)
هذا مذهب جماهير العلماء. قال مكي بن أبي طالب القيسي: ((وعلى جوازه عامة الفقهاء، وهذا مذهب مالك وجماعة من أهل المدينة وأكثر أهل العلم)) الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ص 67.
انظر: المعتمد 1 / 391، إحكام الفصول ص 424، التلخيص للجويني 2 / 521، التمهيد لأبي الخطاب 2 / 384، منتهى السول والأمل ص 160، تيسير التحرير 3 / 202.
(5)
في س: ((أصحابنا)) وهو خطأ واضح؛ لأنه لم ينقل عن أحدٍ من المالكية موافقةً للشافعي في هذه المسألة، بل المنقول فيها عن بعض أصحاب الشافعي. انظر: الإبهاج 2 / 248، البحر المحيط للزركشي
5 / 262. وأومأ إليه الإمام أحمد، انظر: العدة لأبي يعلى 3 / 80.
أما مذهب الشافعي في مسألة نسخ السنة بالكتاب فقد حُكِى فيه قولان، الجواز وعدمه، وعبارة الشافعي في الرسالة تفيد امتناع نسخ السنة بالقرآن. قال رحمه الله:((فإن قال قائل: هل تُنسخ السنة بالقرآن؟ قيل: لو نُسِخت السنة بالقرآن كانت للنبي صلى الله عليه وسلم فيه سنةٌ تبين أن سنته الأولى منسوخة بسنته الآخرة، حتىتقوم الحجة على الناس، بأن الشيء يُنْسخ بمثله)) الرسالة ص 110، وقال:((وهكذا سنة رسول الله لا ينسخها إلا سنة رسول الله)) الرسالة ص 108.
وهناك من العلماء من عدَّ هذه هفوةً للشافعي رحمه الله وهناك من أوّل كلامه، انظر بحث ذلك في: قواطع الأدلة 3 / 176، جمع الجوامع بشرح المحلِّي وحاشية العطار 2 / 112، البحر المحيط للزركشي
5 / 260 - 279، الآيات البينات للعبادي 3 / 188 - 195.
(6)
البقرة، من الآية:144. وجاء في حديث البراء بن عازب رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم صلّى نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهراً، وكان رسول الله يحب أن يُوجّه إلى الكعبة، فأنزل الله
{قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء} [البقرة: 144] فتوجَّه نحو الكعبة. رواه البخاري (399) واللفظ له، ومسلم (525) .
ولم يكن التوجه لبيت (1) المَقْدِس ثابتاً بالكتاب (2) عملاً بالاستقراء (3) .
الشرح
في كون التوجه لبيت المقدس ليس من القرآن، فيه نظر، من جهة أن القاعدة أن كل بيان لمُجْملٍ يُعدُّ مراداً [من ذلك] (4) المجمل وكائناً فيه (5) . والله تعالى قال:{وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ} (6) ولم يبين صفتها، فبينها عليه الصلاة والسلام بفعله لبيت (7) المقدس [فكان ذلك مراداً بالآية، كما أنَّا نقول في قوله عليه الصلاة والسلام:((فيما سَقَت السماءُ العُشْر)) (8) بيان لقوله تعالى: {وَآتُوا الزَّكَاةَ} (9) وهو مراد منها،
(1) ساقطة من س.
(2)
اختلف العلماء في قبلة بيت المقدس المنسوخة، هل كانت ثابتة بالكتاب أو بالسنة؟
أ - أكثر العلماء على أن التوجه لبيت المقدس ليس في القرآن ذكره. قال القاضي عياض: ((الذي ذهب إليه أكثر العلماء أنه كان بسنةٍ لا بقرآن)) انظر: شرح صحيح مسلم للنووي 5 / 9، وانظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 2 / 151، مذكرة أصول الفقه للشنقيطي ص 149.
ب - رُوي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه كان عن أمر الله، لقوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا
…
}
[البقرة: 143]، قال ابن العربي: ((فإن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى بيت المقدس بأمرٍ منه، لأن هذا مما لا يدرك بالاجتهاد
…
)) الناسخ والمنسوخ له 2 / 46.
ثمرة الخلاف: إن كان التوجه بأمر الله فهو نسخ قرآن بقرآن، وإن كان باجتهاده وفعله صلى الله عليه وسلم فهو نسخ سنة بقرآن. انظر: الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار للحازمي ص 191، نواسخ القرآن لابن الجوزي ص 146، الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه لمكي القيسي ص 109 - 112.
(3)
الاستقراء في اللغة: من القَرْو، واسْتَقْرَيْتَ البلادَ: تَتَبَّعْتَها، تخرج من أرضٍ إلى أرضٍ. انظر لسان
العرب مادة " قرأ ". واصطلاحاً: هو تتبُّع الجزئيات كلِّها أو بعضها للوصول إلى حكمٍ عامٍ يشملها
جميعاً. انظر: الكليات للكفوي ص 105، حاشية العطار على شرح الخبيصي ص 249، وانظر تعريف المصنف له: ص 502.
(4)
في ص: ((بذلك)) ، وفي س:((لذلك)) .
(5)
سبق أن ذكر هذه القاعدة المصنف.
(6)
البقرة، من الآية:43.
(7)
في ز: ((إلى البيت)) .
(8)
رواه البخاري (1483) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما ولفظه: ((فيما سقت السماء والعيون أو كان عَثَريّاً العُشْر، وما سُقي بالنَّضْج نصف العشر)) .
(9)
البقرة، من الآية:43.
وكذلك هاهنا، وهو القاعدة: أن كل بيان لمجملٍ يُعدُّ مراداً من ذلك المجمل، فكان التوجه لبيت المَقْدِس] (1) بالقرآن بهذه الطريقة (2) .
حجة الشافعي (3) رضي الله عنه قوله تعالى: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} (4) فجعله عليه الصلاة والسلام مبيِّناً بالسنة للكتاب المنزل، فلا يكون الكتاب ناسخاً للسنة، لأن الناسخ مبيِّن للمنسوخ، فيكون كل واحد منهما مبيِّناً لصاحبه فيلزم الدَّوْر (5) .
والجواب عنه: أن الكتاب والسنة ليس كل واحد منهما محتاجاً للبيان، ولا وقع فيه النسخ، فأمكن أن يكون بعض الكتاب بياناً لبعض السنة، والبعض الآخر الذي لم يبينه الكتاب [بياناً للكتاب] فلا دور، لأنه لم يوجد شيئان (6) كل واحد منهما متوقف على الآخر، بل الذي يتوقف عليه من السنة غير متوقف، [والبعض المتوقف عليه من الكتاب غير متوقف (7) . سلمناه، لكنه معارَض بقوله تعالى في حق الكتاب العزيز:{تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ} (8) ، والسنة شيء، فيكون الكتاب تبياناً لها، فينسخها وهو المطلوب (9) .
(1) ما بين المعقوفين ساقط في س، من قوله [فكان ذلك مراداً بالآية
…
- إلى قوله -
…
لبيت المقدس] .
(2)
انظر: نفائس الأصول 6 / 2486، نهاية السول 2 / 581، رفع النقاب القسم 2 / 417، منهج التحقيق والتوضيح للشيخ محمد جعيط 2 / 113 وقد جوّد هذا الكلام الطوفي في: شرح مختصر الروضة
(2 / 318) لكن الاصفهاني دفع هذا بأن كلام الرازي في محصوله (3 / 340) أن قبلة بيت المقدس لم تثبت بالكتاب نصاً ومنطوقاً، والذي ذكره القرافي هنا أنه كالمنطوق به، وفرق بين المنطوق به والمشبه بالمنطوق به. انظر: الكاشف عن المحصول 5 / 284.
(3)
انظر معنى هذه الحجة في الرسالة للشافعي ص 111 - 113، وانظر: المحصول للرازي 3 / 342، نهاية السول 2 / 584.
(4)
النحل، من الآية:44.
(5)
الدَّور لغة: مصدر، يدور، ومنه قولهم: دارت المسألة أي كلما تعلّقتْ بمحلٍّ توقفّ ثبوت الحكم على
غيره، فينتقل إليه، ثم يتوقّف على الأول وهكذا. المصباح المنير ص 202. واصطلاحاً: هو توقف كل واحدٍ من الشيئين على الآخر. الكليات للكفوي ص 447، وانظر التعريفات للجرجاني ص 140.
(6)
في س: ((بيان)) .
(7)
انظر هذا الجواب في: شرح مختصر الروضة للطوفي 2 / 317، شرح العضد لمختصر ابن الحاجب
2 / 197.
(8)
النحل، من الآية 89 قال تعالى:{وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} .
(9)
انظر: أصول السرخسي 2 / 76. وهناك جواب آخر ذكره الرازي في محصوله (3 / 343) فانظره.