الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لَهُمْ: "لَا تَدَعُوا أَحَدًا يَمُرُّ بِكُمْ تُنْكِرُونَهُ إِلَّا رَدَدْتُمُوهُ"(1).
*
بَعْثُ سَرِيَّةِ إِضَمٍ:
وَزِيَادَةً فِي الإِخْفَاءِ وَالتَّعْمِيَةِ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سَرِيَّةَ أَبِي قَتَادَةَ رضي الله عنه إِلَى بَطْنِ إِضَمٍ، لِيَظُنَّ ظَانٌّ أَنَّهُ تَوَجَّهَ إِلَى هُنَاكَ -وَقَدْ ذَكَرْنَا أَمْرَ هَذِهِ السَّرِيَّةِ فِيمَا مَضَى-.
*
كِتَابُ حَاطِبٍ رضي الله عنه إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ:
وَلَمَّا أَجْمَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم المَسِيرَ إِلَى مَكَّةَ، كَتَبَ حَاطِبُ بنُ أَبِي بَلْتَعَةَ رضي الله عنه كِتَابًا إِلَى قُرَيْشٍ يُخْبِرُهُمْ بِمَسِيرِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَيْهِمْ، ثُمَّ أَعْطَاهُ امْرَأَةً مِنْ مُزَيْنَةَ، وَجَعَلَ لَهَا جُعْلًا (2) عَلَى أَنْ تُبَلِّغَهُ قُرَيْشًا، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَالزُّبَيْرَ بنَ العَوَّامِ وَأَبَا مِرْثَدٍ الغَنَوِيَّ (3) وَكُلُّنَا فَارِسٌ، فَقَالَ: "انْطَلِقُوا حَتَّى تَأَتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ (4) فَإِنَّ بِهَا
(1) انظر سيرة ابن هشام (4/ 46) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (2/ 317) - دلائل النبوة للبيهقي (5/ 7).
(2)
الجعل: أي أجرة. انظر النهاية (1/ 267).
(3)
في رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث (4274): المقداد بدل أبي مرثد الغنوي.
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (8/ 312): يحتمل أن يكون الثلاثة كانوا معه، فذكر أحد الراويين عنه ما لم يذكره الآخر.
(4)
روضةُ خاخ: موضع بين مكة والمدينة. انظر النهاية (2/ 82).
امْرَأةً (1) مِنَ المُشْرِكِينَ مَعَهَا صَحِيفَةٌ (2) مِنْ حَاطِبِ بنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى المُشْرِكِينَ، فَأْتُونِي بِهَا".
قَالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه: فَانْطَلَقْنَا عَلَى أَفْرَاسِنَا حَتَّى أَدْرَكْنَاهَا حَيْثُ قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، تَسِيرُ عَلَى بَعِيرٍ لَهَا، فَقُلْنَا لَهَا: أَيْنَ الكِتَابُ الذِي مَعَكِ؟
قَالَتْ: مَا مَعِيَ كِتَابٌ، فَأَنَخْنَا بِهَا بَعِيرَهَا، فَابْتَغَيْنَا فِي رَحْلِهَا، فَلَمْ نَجِدْ فِيهِ شَيْئًا، فَقَالَ صَاحِبَايَ: مَا نَرَى مَعَهَا الكِتَابَ، فَقُلْتُ: لَقَدْ عَلِمْتُمَا مَا كَذَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَالذِي أَحْلِفُ بِهِ لَئِنْ لَمْ تُخْرِجِي الكِتَابَ لَأُجَرِّدَنَّكِ (3)، فَأَهْوَتْ إِلَى حُجْزَتِهَا (4)، وَهِيَ مُحْتَجِزَةٌ بِكِسَاءٍ، فَأَخْرَجَتِ الصَّحِيفَةَ، فَانْطَلَقْنَا
(1) وقع عند ابن إسحاق في السيرة (4/ 47): أن اسمها سارة مولاة لبعض بني عبد المطلب.
قال الحافظ في الفتح (14/ 317): وقد اختُلِفَ هل كانت مسلمة أو على دين قومها، فالأكثر على الثاني، فقد عُدَّت فيمن أهدر النبي صلى الله عليه وسلم دمهم يوم الفتح -كما سيأتي- لأنها كانت تُغني بهجائه صلى الله عليه وسلم، وهجاء أصحابه.
(2)
في رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث (4274): كتاب.
(3)
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (14/ 316): أي أنزع ثيابك حتى تَصيري عريانة.
(4)
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (6/ 309): الحُجْزة: بضم الحاء وسكون الجيم: معقد الإزار والسراويل.
وفي رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث (4274): فأخرجته -أي الكتاب- من عِقَاصِها.
والعِقَاص: جمع عِقْصة أو عَقِيصَة، وهي الضفيرة من الشعر إذا لويت وجُعلت مثل الرمانة، أو لم تلو، والمعنى: أخرجت الكتاب من ضفائرها المعقوصة. انظر جامع الأصول (8/ 361) - النهاية (3/ 250).
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (6/ 309): ويجمع بينهما بأن تكون عَقِيصتها طويلة بحيث تصل إلى حجزتها، فربطته في عقيصتها وغرزته بحجزتها.
بِهَا (1) إِلَى لرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم لِحَاطِبٍ:"يَا حَاطِبُ مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ ".
قَالَ: لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا فِي قُرَيْشٍ، -أَيْ كَانَ حَلِيفًا لَهُمْ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا-، وَكَانَ مَنْ مَعَكَ مِنَ المُهَاجِرِينَ لَهُمْ قَرَابَاتٌ يَحْمُونَ أَهْلِيهِمْ، فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي ذَلِكَ مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ أَنْ أَتَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَدًا يَحْمُونَ بِهَا قَرَابَتِي، وَلَمْ أَفْعَلْهُ كُفْرًا، وَلَا ارْتِدَادًا عَنْ دِينِي، وَلَا رِضًا بِالكُفْرِ بَعْدَ الإِسْلَامِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقكُمْ"(2).
فَقَالَ عُمَرُ رضي الله عنه: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ قَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالمُؤْمِنِينَ، فَدَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَهُ (3)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ"، فَدَمَعَتْ عَيْنَا عُمَرَ، وَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولَهُ أَعْلَمُ.
وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ
(1) أي بالصحيفة.
(2)
في رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث (3983) قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "صدق ولا تقولوا له إلا خيرًا".
(3)
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (9/ 625): إنما قال ذلك عُمَر رضي الله عنه مع تصديقِ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لحاطب فيما اعتذر به، لما كان عند عمر رضي الله عنه من القوة في الدين، وبغض من ينسب إلى النفاق، وظن أن من خالف ما أمره به رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم استحق القتل، لكنه لم يجزم بذلك، فلذلك استأذن في قتله، وأطلق عليه منافقًا؛ لكونه أبطن خلاف ما أظهر.
تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} (1).
وَأَوَّلُ مَا يَقِفُ الإِنْسَانُ أَمَامَهُ هُوَ فِعْلَةُ حَاطِبٍ رضي الله عنه، وَهُوَ المُسْلِمُ المُهَاجِرُ، وَهُوَ أَحَدُ الذِينَ أَطْلَعَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى سِرِّ الْحَمْلَةِ. . . وَفِيهَا مَا يَكْشِفُ عَنْ مُنْحَنيَاتِ النَّفْسِ البَشَرِيَّةِ العَجِيبَةِ، وَتَعَرُّضِ هَذِهِ النَّفْسِ لِلَحَظَاتِ الضعْفِ البَشَرِيِّ مَهْمَا بَلَغَ مِنْ كَمَالِهَا وَقُوَّتِهَا، وَأَنْ لَا عَاصِمَ إِلَّا اللَّهُ مِنْ هَذِهِ اللَّحَظَاتِ، فَهُوَ الذِي يُعِينُ عَلَيْهَا.
ثُمَّ يَقِفُ الإِنْسَانُ مَرَّةً أُخْرَى أَمَامَ عَظَمَةِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ لَا يَعْجَلُ حَتَّى يَسْأَلَ: "مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ" فِي سَعَةِ صَدْرٍ وَعَطْفٍ عَلَى لَحْظَةِ الضَّعْفِ الطَّارِئَةِ فِي نَفْسِ صَاحِبِهِ، وَإِدْرَاكٍ مُلْهَمٍ بِأَنَّ الرَّجُلَ قَدْ صَدَقَ، وَمِنْ ثَمَّ يَكُفُّ الصَّحَابَةَ عَنْهُ:"صَدَقَ وَلَا تَقُوُلُوا إِلَّا خَيْرا. . . " لِيُعِينَهُ وَيَنْهَضَهُ مِنْ عَثْرَتِهِ، فَلَا
(1) سورة الممتحنة آية (1).
وقصة حاطب رضي الله عنه أخرجها: البخاري في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب إذا اضطر الرجل إلى النظر في شعور أهل الذمة - رقم الحديث (3081) - وأخرجه في كتاب المغازي - باب فضل من شهد بدرًا - رقم الحديث (3983) - وباب غزوة الفتح وما بعث به حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه إلى أهل مكة - رقم الحديث (4272) - وأخرجه في كتاب استتابة المرتدين - باب ما جاء في المتأولين - رقم الحديث (6939) - وأخرجه مسلم في صحيحه كتاب فضائل الصحابة - باب من فضائل أهل بدر رضي الله عنهم، وقصة حاطب بن أبي بلتعة - رقم الحديث (2494) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (600) - (827) - وأخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (4436).