الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَامِرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يوْمَ النَّحْرِ يَرْمِي الْجَمْرَةَ عَلَى نَاقَتِهِ، لَا ضَرْبٌ، وَلَا طَرْدٌ، وَلَا إِلَيْكَ إِلَيْكَ (1).
وَازْدَحَمَ النَّاسُ عِنْدَ الرَّمْي، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بالرَّوِيَّةِ في الرَّمْي، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وَأَبُو دَاوُدَ في سُنَنِهِ بِسَنَدْ حَسَنٍ عَنْ أُمِّ جُنْدُبٍ الْأَزْدِيَّةِ رضي الله عنها قَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُوَلَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي يَوْمَ النَّحْرِ، وَهُوَ يَقُولُ:"يَا أَيُّهَا النَّاسُ، لَا يَقْتُلْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَلَا يُصِيبُ بَعْضُكُمْ، وَإِذَا رَمَيْتُمُ الْجَمْرَةَ، فَارْمُوهَا بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ"(2).
*
خُطْبَةُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِمِنًى يَوْمَ النَّحْرِ:
ثُمَّ خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في النَّاسَ بِمِنًى حِينَ ارْتَفَعَ الضُّحَى، وَهُوَ وَاقِفٌ بَيْنَ الْجَمَرَاتِ عَلَى نَاقَتِهِ، وَقِيلَ عَلَى بَغْلَةٍ شَهْبَاءَ، وَعَلِيٌّ رضي الله عنه يُعَبِّرُ عَنْهُ، وَالنَّاسُ بَيْنَ قَائِمٍ وَقَاعِدٍ، وَأَعَادَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في خُطْبَتِهِ هَذِهِ بَعْضَ مَا كَانَ أَلْقَاهُ في خُطْبَةِ عَرَفَةَ، وَذَلِكَ لِكَثْرَةِ الْجَمْعِ الذِي اجْتَمَعَ حَوْلَهُ.
وَقَرَّرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في خُطْبَتِهِ هَذِهِ تَحْرِيمَ الزِّنَى، وَالْأَمْوَالِ، وَالْأَعْرَاضِ، وَذَكَرَ حُرْمَةَ يَوْمِ النَّحْرِ، وَحُرْمَةَ مَكَّةَ عَلَى جَمِيعِ الْبِلَادِ، فَكَانَ مِمَّا
(1) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (15411) - والترمذي في جامعه - كتاب الحج - باب ما جاء في كراهية طرد الناس عند رمي الجمار - رقم الحديث (919).
وقال الترمذي: حديث قدامة بن عبد اللَّه حديث حسن صحيح.
وقد تقدم شرح هذا الحديث عند الكلام على سعي النبي صلى الله عليه وسلم بين الصفا والمروة، فراجعه.
(2)
أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (16087)(27110).
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "أَلَا إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ (1)، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو الْقِعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ (2) الذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ".
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ ".
قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولَهُ أَعْلَمُ.
فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، فَقَالَ:"أَليْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟ ".
قُلْنَا: بَلَى، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ ".
قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولَهُ أَعْلَمُ.
(1) قال الإمام البغوي في شرح السنة (7/ 220 - 222): معناه أن العرب كانت في الجاهلية قد بدّلت أشهر الحُرم، وذلك أنهم كانوا يعتقدون تعظيم هذه الأشهر الحرم، ويتحرَّجون فيها عن القتال، فاستحل بعضهم القتال فيها من أجل أن عامة معايشهم كانت من الصيد والغارة، فكان يشق عليهم الكف عن ذلك ثلاثة أشهر على التوالي، وكانوا إذا استحلّوا شهرًا منها، حَرَّموا مكانه شهرًا آخر، وهو النسيء الذي ذكره اللَّه سبحانه وتعالى في سورة التوبة آية (37)، فقال:{إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} . ومعنى النسيء: تأخير تحريم رجب إلى شعبان، والمحرم إلى صفر، مأخوذ من نسأت الشيء: إذا أخرته. . . إلى أن كان العام الذي حج فيه النبي صلى الله عليه وسلم، فوافى حجهم شهر الحج المشروع، وهو ذو الحجة، فوقف بعرفة اليوم التاسع، وخطب اليوم العاشر بمنى، وأعلمهم أن أشهر النسيء قد تناسخت باستدارة الزمان، وعاد الأمر إلى ما وضع اللَّه عليه حساب الأشهر يوم خلق السموات والأرض، وأمرهم بالمحافظة عليه، لئلا يتبدل في مستأنف الأيام.
(2)
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (9/ 222): إضافة شهر رجب إلى قبيلة مُضر؛ لأنهم كانوا متمسكين بتعظيمه، بخلاف غيرهم.
فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، فَقَالَ:"أَليْسَ ذَا الْحِجَّةِ؟ ".
قُلْنَا: بَلَى، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟ ".
قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولَهُ أَعْلَمُ.
فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، فَقَالَ:"أَليْسَتِ الْبَلْدَةَ؟ ".
قُلْنَا: بَلَى.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، في شَهْرِكُمْ هَذَا، في بَلَدِكُمْ هَذَا، وَسَتَلقوْنَ رَبَّكُمْ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، أَلَا فَلَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا أَوْ ضُلَّالًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ، أَلَا لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يُبَلِّغُهُ يَكُونُ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ"(1).
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "أَلَا إِنَّمَا هُنَّ أَرْبَعٌ: لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ التِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَسْرِقُوا"(2).
(1) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب الخطبة في منى - رقم الحديث (1739)(1741) - وكتاب المغازي - باب حجة الوداع - رقم الحديث (4406) - ومسلم في صحيحه - كتاب القسامة والمحاربين - باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال - رقم الحديث (1679) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (20386) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (43)(1454) - والنسائي في السنن الكبرى - كتاب المناسك - باب وقت الخطبة يوم النحر - رقم الحديث (4079).
(2)
أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (18989) - وإسناده صحيح.
"أَلَا وَإِنِّي فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ أَنْظُرُكُمْ، وَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ، فَلَا تُسَوِّدُوا وَجْهِي، أَلَا وَقَدْ رَأَيْتُمُونِي وَسَمِعْتُمْ مِنِّي، وَسَتُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ، فَلْيَتبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ، أَلَا وَإِنِّي مُسْتَنْقِذٌ رِجَالًا، وَمُسْتَنْقَذٌ مِنِّي آخَرُونَ، فَأَقُولُ: يَارَبِّ أَصْحَابِي! ، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ"(1).
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "أَلَا لَا يَجْنِي (2) جَانٍ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ، وَلَا يَجْنِي وَالِدٌ عَلَى وَلَدِهِ، وَلَا مَوْلُودٌ عَلَى وَالِدِهِ، أَلَا إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يُعْبَدَ في بَلَدِكُمْ هَذَا أَبدًا، وَلَكِنْ سَتَكُونُ لَهُ طَاعَةٌ في بَعْضِ مَا تَحْتَقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ"(3).
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "اعْبُدُوا رَبَّكُمْ (4)، وَصَلُّوا خَمْسَكُمْ، وَصُومُوا
(1) أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (23497) - وابن ماجة في سننه - كتاب المناسك - باب الخطبة يوم النحر - رقم الحديث (3057) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (42) - وإسناده صحيح.
(2)
الجناية: الذنب والجُرم وما يفعله الإنسان مما يوجب عليه العذاب، أو القصاص في الدنيا والآخرة، والمعنى أنه لا يُطَالَب بجناية غيره من أقاربه وأباعده، فإذا جنى أحدهما جناية لا يعاقب بها الآخر، كقوله تَعَالَى في سورة الإسراء آية (15):{وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} . انظر النهاية (1/ 298).
(3)
أخرج ذلك الترمذي في جامعه - كتاب التفسير - باب ومن سورة التوبة - رقم الحديث (3341) - وابن ماجة في سننه - كتاب المناسك - باب الخطبة يوم النحر - رقم الحديث (3055) - والنسائي في السنن الكبرى - كتاب المناسك - باب يوم الحج الأكبر - رقم الحديث (4085) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (52) - وإسناده صحيح.
(4)
هذه رواية الإمام أحمد في مسنده، وفي رواية الترمذي:"اتقوا اللَّه".
شَهْرَكُمْ، وَأَدُّوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ، وَأَطِيعُوا ذَا أَمْرِكُمْ، تَدْخُلُوا جَنَّةَ رَبِّكُمْ" (1).
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَبَلَّغَهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، ثَلَاثٌ لَا يَغِلُّ (2) عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُؤْمِنٍ: إِخْلَاصُ الْعَمَلِ للَّهِ، وَالنَّصِيحَةُ لِوُلَاةِ الْمُسْلِمِينَ (3)، وَلُزُومُ جَمَاعَتِهِمْ، فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ"(4).
وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم النَّاسَ في خُطْبَتِهِ هَذِهِ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِمَنْ قَادَهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا أَسْوَدَ مُجَدَّعًا (5)، وَعَلَّمَهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَمَرَهُمْ بِالتَّبْلِيغِ عَنْهُ (6).
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ مُعَاذٍ التَّيْمِيُّ رضي الله عنه: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَنَحْنُ بِمِنًى، فَفُتِحَتْ أَسْمَاعُنَا حَتَّى كُنَّا نَسْمَعُ مَا يَقُولُ وَنَحْنُ في مَنَازِلِنَا، فَطَفِقَ
(1) أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (22161) - والترمذي في جامعه - كتاب الصلاة - باب ما ذكر في فضل الصلاة - رقم الحديث (620) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (7288) - وإسناده صحيح على شرط مسلم.
(2)
يغل: هو من الإغلال: الخيانة في كل شيء. انظر النهاية (3/ 341).
(3)
في رواية الإمام أحمد في مسنده: "الأمر".
(4)
أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (16738) - وابن ماجة في سننه - كتاب المناسك - باب الخطبة يوم النحر - رقم الحديث (3056) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (1601) - وهو صحيح لغيره.
(5)
الْمُجَدَّع: بفتح الجيم والدال المشددة، والْجَدْعُ: قطع الأنف، والأذن، والشفة. انظر النهاية (1/ 239).
قال النووي في شرح مسلم (9/ 40): ومقصوده التنبيه على نهاية خِسَّتِهِ، فإن العبد خسيس في العادة، ثم سواده نقص آخر، وجدعه نقص آخر.
(6)
أخرج ذلك الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبًا - رقم الحديث (1298).