الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فَلَمَّا رَاحَ بُدَيلُ إِلَى مَكَّةَ، قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: لَئِنْ جَاءَ بُدَيلُ المَدِينَةَ لَقَدْ عَلَفَ (1) بِهَا النَّوَى (2)، فَأَتَى مَبْرَكَ رَاحِلَتِهِ، فَأَخَذَ مِنْ بَعْرِهَا، فَفَتَّهُ، فَرَأَى فِيهِ النَّوَى، فَقَالَ: أَحْلِفُ بِاللَّهِ، لَقَدْ جَاءَ بُدَيلٌ مُحَمَّدًا.
*
مَوْقِفُ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ رضي الله عنها:
ثُمَّ خَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ حَتَّى قَدِمَ المَدِينَةَ، فَدَخَلَ عَلَى ابْنَتِهِ رَمْلَةَ أُمِّ حَبِيبَةَ رضي الله عنها، فَلَمَّا ذَهَبَ لِيَجْلِسَ عَلَى فِرَاشِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم طَوَتْهُ عَنْهُ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّهُ! أَرَغِبْتِ بِي عَنْ هَذَا الفِرَاشِ، أَمْ رَغِبْتِ بِهِ عَنِّي؟
قَالَتْ: بَلْ هُوَ فِرَاشُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَنْتَ مُشْرِكٌ نَجِسٌ، فَلَمْ أُحِبَّ أَنْ تَجْلِسَ عَلَى فِرَاشِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ أَصَابَكِ يَا بُنَيَّةُ بَعْدِي شَرٌّ، ثُمَّ خَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! اشْدُدِ العَقْدَ، وَزِدْنَا فِي المُدَّةِ، فَقَالَ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"وَلِذَلِكَ قَدِمْتَ! هَلْ كَانَ مِنْ حَدَثٍ قِبَلَكُمْ؟ ".
قَالَ: مَعَاذَ اللَّهِ، نَحْنُ عَلَى عَهْدِنَا وَصُلْحِنَا يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ، لَا نُغَيِّرُ وَلَا نُبَدِّلُ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.
*
طَلَبُ أَبِي سُفْيَانَ الشَّفَاعَةَ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ:
فَلَمَّا رَأَى أَبُو سُفْيَانَ أَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم، ذَهَبَ.
(1) علف: هو ما تأكله الماشية. انظر النهاية (3/ 260).
(2)
النَّوَى: جمع نواة التمر. انظر لسان العرب (14/ 344).
إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه، فَكَلَّمَهُ أَنْ يُكَلِّمَ لَهُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: مَا أَنَا بِفَاعِلٍ، ثُمَّ أَتَى عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رضي الله عنه، فكلَّمَهُ أَنْ يَشْفَعَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِتَجْدِيدِ العَقْدِ، وَزِيَادَةِ المُدَّةِ، فَقَالَ عُمَرُ رضي الله عنه: أَأَنَا أَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟ فَوَاللَّهِ لَوْ لَمْ أَجِدْ إِلَّا الذَّرَّ (1) لَجَاهَدْتُكُمْ بِهِ (2).
وَفِي رِوَايَةِ البَيْهَقِيِّ فِي الدَّلَائِلِ: قَالَ لَهُ عُمَرُ رضي الله عنه: مَا كَانَ مِنْ حِلْفِنَا جَدِيدًا فَأَخْلَقَهُ (3) اللَّهُ، وَمَا كَانَ مِنْهُ مُثْبَتًا فَقَطَعَهُ اللَّهُ، وَمَا كَانَ مِنْهُ مَقْطُوعًا فَلَا وَصَلَهُ اللَّهُ، فَقَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَانَ: جُزِيتَ مِنْ ذِي رَحِمٍ سُوءًا (4).
ثُمَّ دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ رضي الله عنه فكَلَّمَهُ، فَقَالَ عُثْمَانُ: جِوَارِي فِي جِوَارِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.
ثُمَّ خَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ فَدَخَلَ عَلَى عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه، وَعِنْدَهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَعِنْدَهَا الحَسَنُ بنُ عَلِيٍّ غُلَامٌ يَدِبُّ بَيْنَ يَدَيْهَا، فَقَالَ: يَا عَلِيُّ! إِنَّكَ أَمَسُّ القَوْمِ بِنَا رَحِمًا، وَإِنِّي قَدْ جِئْتُكَ فِي حَاجَةٍ فَلَا أَرْجِعَنَّ كَمَا جِئْتُ خَائِبًا، فَاشْفَعْ لِي إِلَى مُحَمَّدٍ، فَقَالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه: وَيْحَكَ يَا أَبَا سُفْيَانَ، وَاللَّهِ لَقَدْ عَزَمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى أَمْرٍ مَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نُكَلِّمَهُ فِيهِ.
فَالْتَفَتَ أَبُو سُفْيَانَ إِلَى فَاطِمَةَ فَقَالَ لَهَا: يَا ابْنَةَ مُحَمَّدٍ! هَلْ لَكِ أَنْ تَأْمُرِي
(1) الذَّرُّ: النمل الأحمر الصغير، واحدتها: ذَرَّة. انظر النهاية (2/ 145).
(2)
انظر سيرة ابن هشام (4/ 44 - 45) - دلائل النبوة للبيهقي (5/ 8).
(3)
الشيء الخَلِق: البالي. انظر لسان العرب (4/ 195).
(4)
انظر دلائل النبوة للبيهقي (5/ 10).