الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المَرْكَبِ، فَذَمَّ الذِي أَمَّرَهَ وَلَامَهُ، وَقَدْ عَدَّ بَعْضُ أَصْحَابِ عَلِيٍّ رضي الله عنه ذَلِكَ مِنْهُ غِلْظَةً وَتَضَيُّقًا، فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى الْمَدِينَةِ شَكَى أَبُو سَعِيد الْخُدْرِيُّ رضي الله عنه إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا كَانَ مِنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ رضي الله عنه حَتَّى إِدا كُنْتُ فِي وَسَطِ كَلَامِي ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى فَخِذِي، وَكُنْتُ مِنْهُ قَرِيبًا، وَقَالَ:"يَا سَعْدَ بْنَ مَالِكِ (1) بْنِ الشَّهِيدِ (2) مَهْ بَعْضَ قَوْلِكَ لِأَخِيكَ عَلِيٍّ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ أَحْسَنَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ".
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ رضي الله عنه: . . . وَاللَّهِ لَا أَذْكُرُهُ بِسُوءٍ أَبَدًا سِرًّا وَلَا عَلَانِيَةً (3).
*
مَوْقِفُ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ رضي الله عنه مِنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه
-:
رَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ بريْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ رضي الله عنه قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلِيًّا إِلَى خَالِدٍ؛ لِيَقْبِضَ الْخُمُسَ، وَكُنْتُ أُبْغِضُ عَلِيًّا وَقَدِ اغْتَسَلَ (4)، فَقُلْتُ لِخَالِدٍ: أَلَا تَرَى إِلَى هَذَا؟
فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"يَا بُرَيْدَةُ أَتُبْغِضُ عَلِيًّا؟ ".
(1) هو اسم أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(2)
والد أبي سعيد هو مالك بن سنان، وقد استشهد في غزوة أُحد، ولذلك قال رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لأبي سعيد:"ابن الشهيد".
(3)
أخرج ذلك البيهقي في دلائل النبوة (5/ 398 - 399) - وأورده ابن كثير في البداية والنهاية (5/ 112) - وقال: هذا إسناد جيد على شرط النسائي، ولم يروه أحد من أصحاب الكتب الستة.
(4)
هذه رواية الإمام البخاري - وفي رواية الإمام أحمد: فأصبح عليّ رضي الله عنه ورأسه يقطر. وسيأتي بعد قليل سبب اغتسال عليّ رضي الله عنه.
قُلْتُ: نَعَمْ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "لَا تُبْغِضُهُ فَإِنَّ لَهُ فِي الْخُمُسِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ"(1).
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثارِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ بريْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ رضي الله عنه قَالَ: لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ عَلِيِّ بِنِ أَبِي طَالِبٍ حَتَّى أَحْبَبْتُ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ لَا أُحِبُّهُ إِلَّا عَلَى بُغْضِ عَلِيٍّ، فبعِثَ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَلَى خَيْلٍ، فَصَحِبْتُهُ، وَمَا أَصْحَبُهُ إِلَّا عَلَى بَغْضَاءِ عَلِيٍّ، فَأَصَابَ سَبْيًا، فكَتَبَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَبْعَثَ له مَنْ يُخَمِّسُهُ، فَبُعِثَ إِلَيْنَا عَلِيًّا رضي الله عنه، وَفِي السَّبْي وَصِيفَةٌ (2) مِنْ أَفْضَلِ السَّبْي، فَلَمَّا خَمَّسَهُ، صَارَتِ الْوَصِيفَةُ فِي الْخُمُسِ، ثُمَّ خَمَّسَ، فَصَارَتْ فِي أَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ خَمَّسَ، فَصَارَتْ فِي آلِ عَلِيٍّ رضي الله عنه، فَأتَانَا وَرَأْسُهُ تَقْطُرُ، فَقُلْنَا: مَا هَذَا (3)؟
(1) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب بعث عليّ، وخالد بن الوليد رضي الله عنهما إلى اليمن - رقم الحديث (4350) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (23036).
(2)
وَصِيفَةٌ: أي أَمَةٌ. انظر النهاية (5/ 166).
(3)
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (8/ 394): وقد استشكل وقوع عليّ رضي الله عنه على الجارية بغير استبراء، وكذلك قسمته لنفسه، فأما الأول فمحمول على أنها كانت بكرًا غير بالغ، ورأى أن مثلها لا يستبرأ، كما صار إليه غيره من الصحابة، ويجوز أن تكون حاضت عقب صيرورتها له، ثم طهرت بعد يوم وليلة، ثم وقع عليها وليس ما يدفعه، وأما القسمة فجائزة في مثل ذلك ممن هو شريك فيما يقسمه كالإمام إذا قسم بين الرعية، وهو منهم، فكذلك من نَصّبه الإمام قام مقامه.
ويؤخذ من الحديث: جواز التسري -أي اتخاذ السرايا- على بنت رَسُول اللَّهِ بخلاف التزويج عليها.
قَالَ: أَلَمْ تَرَوْا إِلَى الْوَصِيفَةِ صَارَتْ فِي الْخُمُسِ، ثُمَّ صَارَتْ فِي آلِ بَيْتِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ صَارَتْ فِي آل عَلِيٍّ، وَقَعْتُ عَلَيْهَا، فكَتَبَ الرَّجُلُ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقُلْتُ: ابْعَثْنِي، فَبَعَثَنِي مُصَدِّقًا، فَجَعَلْتُ أَقْرَأُ الْكِتَابَ، وَأَقُولُ: صَدَقَ، فَأَمْسَكَ بِيَدِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَقَالَ:"أَتُبْغِضُ عَلِيًّا؟ ".
فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"لَا (1) تُبْغِضْهُ، وَإِنْ كنْتَ تُحِبُّهُ فَازْدَدْ لَهُ حُبًّا، فَوَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ (2) لَنَصِيبُ آلِ عَلِيٍّ فِي الْخُمُسِ أَفْضَلُ مِنْ وَصِيفَةٍ".
قَالَ بُرَيْدَةُ رضي الله عنه: فَمَا كَانَ مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ بَعْدَ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ عَلِيٍّ (3).
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ بُريْدَةَ رضي الله عنه قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ عَلِيٍّ الْيَمَنَ، فَرَأَيْتُ مِنْهُ جَفْوَةً، فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ذَكَرْتُ عَلِيًّا، فَتَنَقَّصْتُهُ، فَرَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَتَغَيَّرُ، فَقَالَ:"يَا بُرَيْدَةُ، أَلَسْتُ أَوْلَى بِالْمُؤْمنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ؟ "، قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ، فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ"(4).
وَرَوَى الْإِمَامُ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنه
(1) في رواية الإمام أحمد في مسنده: "فلا".
(2)
في رواية الإمام أحمد في مسنده قال رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "فوالذي نفس محمد بيده".
(3)
أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (22967) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (3051).
(4)
أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (22945).
قَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ إِلَى الْيَمَنِ جَيْشَيْنِ، وَأَمَّرَ عَلَى أَحَدِهِمَا عَلِيًّا رضي الله عنه، وَعَلَى الآخَرِ خَالِدًا رضي الله عنه، وَقَالَ:"إِذَا كَانَ الْقِتَالُ فَعَلِيٌّ"، قَالَ: فَافْتَتَحَ عَلِيٌّ حِصْنًا، فَأَخَذَ مِنْهُ جَارِيَةً.
قَالَ الْبَرَاءُ: فكَتَبَ مَعِي خَالِدٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُخْبِرُهُ، فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَقَرَأَ الْكِتَابَ، رَأَيْتُهُ يَتَغَيَّرُ لَوْنُهُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"مَا تَرَى فِي رَجُلٍ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُوله"، فَقُلْتُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ وَمِنْ غَضَبِ رَسُولِهِ، وَإِنَّمَا أَنَا رَسُولٌ، فَسَكَتَ (1).
وَظَلَّ عَلِيٌّ رضي الله عنه فِي الْيَمَنِ يُقْرِئُهُمُ الْقُرْآنَ، وَيُعَلِّمُهُمُ الْإِسْلَامَ، وَكتَبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِذَلِكَ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُوَافِيَهُ بِالْمَوْسِمِ -مَوْسِمِ الحَجِّ-، فَرَجَعَ عَلِيٌّ رضي الله عنه، فَوَافَى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِمَكَّةَ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ، كَمَا سَيَأْتِي.
* * *
(1) أخرجه الترمذي في جامعه - كتاب الجهاد - باب ما جاء من يستعمل علي الحرب - رقم الحديث (1799) - وأخرجه في كتاب المناقب - باب مناقب عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه رقم الحديث (4045) - وأخرجه الإمام أحمد في فضائل الصحابة - رقم الحديث (1175) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (6184).