الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ عِنْدَ قِسْمَةِ غَنَائِمِ حُنَيْنٍ، وَعِنْدَ قِسْمَةِ الذَّهَبِ الذِي بَعَثَهُ عَلِيٌّ رضي الله عنه (1).
*
قُدُومُ حَلِيمَةَ السَّعْدِيَّةِ عَلَى الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم
-:
قَدْ قَدِمَتْ حَلِيمَةُ السَّعْدِيَّةُ رضي الله عنها أُمُّ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الرَّضَاعَةِ، عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ بِالْجِعِرَانَةِ، فَأَكْرَمها رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ، وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ بِالشَّوَاهِدِ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ رضي الله عنه قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقْسِمُ لَحمًا بِالْجِعْرَانَةِ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ غُلَامٌ أَحْمِلُ عُضْوَ الْبَعِيرِ، فَأَقْبَلَتِ امْرَأَةٌ بَدَوِيَّةٌ، فَلَمَّا دَنَتْ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، بَسَطَ لَهَا رِدَاءَهُ، فَجَلَسَتْ عَلَيْهِ، فَسَأَلْتُ: مَنْ هَذِهِ؟ قَالُوا: أُمُّهُ التِي أَرضَعَتْهُ (2).
*
عَتْبُ الْأَنْصَارِ وَخُطْبَةُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِيهِمْ:
أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كُلَّ النَّاسِ مِنَ الْغَنَائِمِ إِلَّا الْأَنْصَارَ رضي الله عنهم أَجْمَعِينَ، فَوَجَدُوا (3) عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي أَنْفُسِهِم، حَتَّى إِنَّ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ صلى الله عليه وسلم قَالَ قَصِيدَةً فِي ذَلِكَ يَقُولُ فِيهَا:
(1) انظر فتح الباري (14/ 296).
(2)
أخرجه البخاري في الأدب المفرد - رقم الحديث (209) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الرضاع - باب ما يستحب للمرء إكرام من أرضعته في صباه - رقم الحديث (4232) - وأبو داود في سننه - رقم الحديث (5144).
(3)
وَجِدَ: حَزِن. انظر لسان العرب (15/ 220).
زَادَتْ هُمُومٌ هَمَاءُ الْعَينِ يَنْحَدِرُ
…
سَحًّا (1) إِذَا حَفّلتَهُ (2) عَبْرَةٌ (3) دِرَرُ (4)
وَجْدًا بِشَعْثَاءَ (5) إِذْ شَعْثَاءُ بَهْكنَةٌ (6)
…
هيْفَاءُ (7) لَا دَنَسٌ (8) فِيهَا وَلَا خَوَرُ (9)
دَعْ عَنْكَ شَعْثَاءَ إِذْ كَانَتْ مَوَدَّتُهَا
…
نَزْرًا (10) وَشَرُّ وِصَالِ الْوَاصِلِ النَزْرُ
وَأْتِ رَسُولَ اللَّهِ فَقُلْ يَا خَيْرَ مُؤْتَمَنٍ
…
لِلْمُؤْمِنِينَ إِذَا مَا عُدِّلَ الْبَشَرُ
عَلَامَ تُدْعَى سُلَيْمٌ وَهِيَ نَازِحَةٌ
…
أَمَامَ قَوْمٍ هُمُ آوَوْا وَهُمْ نَصَرُوا
سَمَّاهُمُ اللَّهُ أَنْصَارًا لِنَصْرِهِمِ
…
دِينَ الهُدَى وَعَوَانُ الْحَرْبِ تَسْتَعِرُ
(1) سَحًّا: أي دَائِمَةَ الصَّبِّ والْهَطَلِ. انظر النهاية (2/ 311).
(2)
حفلته: أي مُمْتَلِئَةٌ. انظر النهاية (1/ 393).
(3)
الْعَبرَةُ: بفتح العين: الدَّمْعَةُ. انظر لسان العرب (9/ 18).
(4)
دِرَرٌ: سَالَ. انظر لسان العرب (4/ 325).
(5)
قال الحافظ في الإصابة (8/ 201): الشَّعْثَاءُ هي امرأةُ حسان بن ثابت رضي الله عنه، وهي التي كان يُشَبِّبُ بِهَا في غَزَلِ قَصَائِدهِ.
(6)
امرأة بهكنة: غَضَّةٌ، وهي ذَاتُ شَبَابٍ، بَهْكَن: أي غَضٍّ. انظر لسان العرب (1/ 521).
(7)
الْهيْفُ: رِقَّةُ الْخَصْرِ، وضُمُورُ الْبَطْنِ، يقال: امرأةٌ هيفَاءُ. انظر لسان العرب (15/ 181).
(8)
الدَّنَسُ في الثِّيابِ: الوَسَخُ ونحوه، وحتى في الأخلاق. انظر لسان العرب (4/ 416).
(9)
الْخَوَرُ: بالتحريك: الضَّعْفُ. انظر النهاية (2/ 82).
(10)
النَّزْرُ: القَلِيلُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ. انظر لسان العرب (14/ 104).
وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْترَفُوا
…
لِلنَّائِبَاتِ فَمَا خَامُوا (1) وَمَا ضَجِرُوا
وَالنَّاسُ أَلْبٌ (2) عَلَيْنَا ثَمَّ لَيْسَ لَنَا
…
إِلَّا السُّيُوفُ وَأَطْرَافُ القَنَا (3) وَزَرُ (4)
وَلَا يَهُرُّ (5) جَنَابَ الْحَرْبِ مَجْلِسُنَا
…
وَنَحْنُ حِينَ تَلَظَّى نَارُها سُعُرُ
كَمَا رَدَدْنَا بِبَدْرٍ دُونَ مَا طَلَبُوا
…
أَهْلَ النِّفَاقِ وَفِينَا أُنْزِلَ الظَّفَرُ
وَنَحْنُ جُنْدُكَ يَومَ النَعْفِ (6) مِنْ أُحُدٍ
…
إِذْ حَزَّبَتْ بَطَرًا (7) أَشْيَاعَها مُضَرُ
فَمَا وَنَيْنَا (8) وَمَا خِمْنَا وَمَا خَبَرُوا
…
مِنَّا عِثَارًا (9) وَجُلُّ الْقَوْمِ قَدْ عَثَرُوا (10)
(1) الْخَائِمُ: الْجَبَانُ، وخَامَ عَنِ القِتَالِ: جَبُنَ عَنْهُ. انظر لسان العرب (4/ 270).
(2)
تَأَلَّبُوا عليه: إذا تَضَافروا واجْتَمَعُوا عليه. انظر لسان العرب (1/ 177).
(3)
الْقَنَا: الرِّمَاحُ. انظر لسان العرب (11/ 330).
(4)
يقال: وَزَرَ يَزِرُ فهو وَازِرٌ: إذا حَمَلَ ما يثقِلُ ظَهْرَهُ من الأشياءِ الْمُثْقَلَةِ. انظر النهاية (5/ 156)
(5)
هَرَّ: كَرِهَ. انظر لسان العرب (15/ 72).
(6)
نَعَفُ أحُدٍ: أَسْفَلُهُ. انظر لسان العرب (14/ 205).
(7)
الْبَطَرُ: الْكِبْرُ. انظر النهاية (1/ 134).
(8)
الْوَنُ: الضَّعْفُ. انظر لسان العرب (15/ 410).
(9)
الْعَثْرَةُ: الزَّلَّةُ. لسان العرب (9/ 45).
(10)
انظر سيرة ابن هشام (4/ 150) - والقصيدة موجودة كذلك في ديوان حسان بن ثابت رضي الله عنه، ص 120.
وَقَالَ أَحْدَاثُهُمْ (1): يَغْفِرُ اللَّهُ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُعْطِي قُرَيْشًا وَيَتْرُكُنَا، وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ (2).
وفي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالُوا: إِذَا كَانَتِ الشِّدَّةُ فنَحْنُ نُدْعَى، وَتُعْطَى الْغَنَائِمُ غَيْرَنا (3)، وَكثُرَتْ فِيهمُ القَالَةُ حَتَّى قَالَ قَائِلُهُم: لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَوْمَهُ (4).
فَانْطَلَقَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ رضي الله عنه سَيِّدُ الْأَنْصَارِ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَدَخَلَ عَلَيْهِ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ هَذَا الْحَيَّ مِنَ الْأَنْصَارِ قَدْ وَجَدُوا عَلَيْكَ فِي أَنْفُسِهِمْ لِمَا صَنَعْتَ فِي هَذَا الفيْءِ الذِي أَصَبْتَ، فَقَسَمْتَ فِي قَوْمِكَ، وَأَعْطَيْتَ عَطَايَا عِظَامًا فِي قبائِلِ الْعَرَبِ، وَلَمْ يَكُ فِي هَذَا الْحَيِّ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْهَا شَيْءٌ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ ذَلِكَ يَا سَعْدُ؟ ".
قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا أَنَا إِلَّا امرُؤٌ مِنْ قَوْمِي (5).
(1) الحَدَث: هو الشَّابُّ. انظر لسان العرب (3/ 76).
(2)
أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة الطائف - رقم الحديث (4331) - ومسلم في صحيحه - كتاب الزكاة - باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام - رقم الحديث (1059)(132).
(3)
أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة الطائف - رقم الحديث (4337) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الزكاة - باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام - رقم الحديث (1059)(135).
(4)
أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (11730) - وابن إسحاق في السيرة (4/ 152) - وإسناده حسن.
(5)
أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (11730) - وابن إسحاق في السيرة (4/ 152) - وإسناده حسن.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "فَاجْمَعْ لِي قَوْمَكَ".
فَخَرَجَ سعدٌ، فَجَمَعَ الْأَنْصَارَ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا أَتَاهُ سَعْدٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ اجْتَمَعَ لَكَ هَذَا الْحَيَّ مِنَ الْأَنْصَارِ.
فَأَتَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَحَمِدَ اللَّه، وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِالذِي هُو له أَهْلٌ، ثُمَّ قَالَ:"يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، مَا قَالَةٌ بَلَغَتْنِي عَنْكُمْ، وَجِدَةٌ وَجَدتُمُوهَا فِي أَنْفُسِكُمْ، أَلَمْ آتِكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ؟ وَمُتَفَرِّقِينَ فَأَلَّفَكُمُ اللَّهُ بِي؟ ، وَعَالَةً (1) فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ بِي؟ ".
قَالُوا: بَلِ اللَّهُ وَرَسُوله أَمَنُّ وَأَفْضَلُ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "أَلَا تُجِيبُونَنِي يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ؟ ".
قَالُوا: وَبِمَاذَا نُجِيبُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ ، وَللَّهِ وَلرَسُولهِ الْمَنُّ وَالفَضْلُ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "أَمَا وَاللَّهِ لَوْ شِئْتُم لَقُلْتُم فَلَصَدَقْتُمْ وَصُدِّقْتُمْ، أَتَيْتَنَا مُكَذَّبًا فَصَدَّقْنَاكَ، وَمَخْذُولًا فَنَصَرْنَاكَ، وَطَرِيدًا فَآويْنَاكَ، وَعَائِلًا فَأَغْنَيْنَاكَ".
ثُمَّ قَالَ صلى الله عليه وسلم: "أَوَجِدتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ فِي لُعَاعَةٍ (2) مِنَ الدُّنْيَا، تَأَلَفْتُ بِهَا قَوْمًا لِيُسْلِمُوا، وَوَكلْتُكُمْ إِلَى إِسْلَامِكُمْ؟ أَفَلَا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَنْ يَذْهبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالبَعِيرِ، وَتَرْجِعُونَ بِرَسولِ اللَّهِ فِي رِحَالِكُمْ؟
(1) العَالَةُ: الْفُقَرَاءُ. انظر جامع الأصول لابن الأثير (8/ 390).
(2)
لُعَاعَةٌ مِنَ الدنيا: أي شَيْءٌ يسيرٌ من الدنيا. انظر لسان العرب (12/ 290).