الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَفِي الحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى وُفُورِ عَقْلِ هِنْدٍ رضي الله عنها، وَحُسْنِ تَأْتِّيهَا فِي المُخَاطَبَةِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ صَاحِبَ الحَاجَةِ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُقَدِّمَ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاهُ اعْتِذَارًا، إِذَا كَانَ فِي نَفْسِ الذِي يُخَاطِبُهُ عَلَيْهِ مَوْجِدَةٌ، وَأَنَّ المُعْتَذِرَ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُقَدِّمَ مَا يَتَأَكَّدُ بِهِ صِدْقُهُ عِنْدَ مَنْ يَعْتَذِرُ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّ هِنْدًا قَدَّمَتِ الِاعْتِرَافَ بِذِكْرِ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ البُغْضِ؛ لِيَعْلَمَ صِدْقَهَا فِيمَا ادَّعَتْهُ مِنَ المَحَبَّةِ (1).
*
إِسْلَامُ صَفْوَانَ بنِ أُمَيَّةَ:
لَمْ يَكُنْ صَفْوَانُ بنُ أُمَيَّةَ مِمَّنْ أُهْدِرَ دَمُهُ، لَكِنَّهُ كَانَ زَعِيمًا كَبِيرًا مِنْ زُعَمَاءِ قُرَيْشٍ، فَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ القَتْلَ، فَهَرَبَ خَارجَ مَكَّةَ، فَاسْتَأْمَنَ لَهُ ابنُ عَمِّهِ عُمَيْرُ بنُ وَهْبٍ (2)، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ صَفْوَانَ بنَ أُمَيَّةَ سَيِّدُ قَوْمِهِ، وَقَدْ خَرَجَ هَارِبًا مِنْكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"أَدْرِكِ ابْنَ عَمِّكَ فَهُوَ آمِنٌ".
فَقَالَ عُمَيْرٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَعْطِنِي آيَةً (3) يَعْرِفُ بِهَا أَمَانَكَ، فَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ردَاءَ (4) الذِي دَخَلَ بِهِ مَكَّةَ.
= والخبر أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب النفقات - باب إذا لم ينفق الرجل. . . - رقم الحديث (5364) - وأخرجه فِي كتاب الأيمان والنذور - باب كيف كانت يمين النبي صلى الله عليه وسلم رقم الحديث (6641) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الأقضية - باب قضية هند - رقم الحديث (1714) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (25888).
(1)
انظر فتح الباري (7/ 524).
(2)
هذه رواية جُلّ أهل المغازي والسير من أن عمير بن وهب هو الذي جاء صفوان بن أمية بأمان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وذكر الإمام مالك فِي الموطأ عن ابن شهاب الزهري -بلاغًا- أن الذي جاء بأمان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لصفوان بن أمية هو وهب بن عمير، قاله أعلم.
(3)
الآية: العلامة. انظر النهاية (1/ 88).
(4)
هذه رواية الإمام مالك في الموطأ. =
فَلَحِقَ عُمَيْرُ بنُ وَهْبٍ حَتَّى أَدْرَكَ صَفْوَانَ بِجُدَّةَ يُرِيدُ أَنْ يَرْكَبَ البَحْرَ، فَقَالَ لَهُ: يَا صَفْوَانُ! فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، اللَّهَ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ أَنْ تُهْلِكَهَا، فَهَذَا أَمَانٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ جِئْتُكَ بِهِ.
فَقَالَ صَفْوَانٌ: وَيْحَكَ! اغْرُبْ عَنِّي فَلَا تُكَلِّمْنِي.
فَقَالَ عُمَيْرٌ: أَيْ صَفْوَانُ! فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، جِئْتُكَ مِنْ عِنْدِ أَفْضَلِ النَّاسِ، وَأَبَرِّ النَّاسِ، وَأَحْلَمِ النَّاسِ، وَخَيْرِ النَّاسِ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّكَ عِزُّهُ عِزُّكَ، وَشَرَفُهُ شَرَفُكَ، وَمُلْكُهُ مُلْكُكَ.
فَقَالَ صَفْوَانُ: إِنِّي أَخَافُهُ عَلَى نَفْسِي.
فَقَالَ عُمَيْر: هُوَ أَحْلَمُ مِنْ ذَلِكَ وَأَكْرَمُ، فَرَجَعَ صَفْوَانُ حَتَّى دَخَلَ مَكَّةَ وَعَلَيْهِ رِدَاءُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، حَتَّى وَقَفَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَنَادَاهُ عَلَى رُؤُوسِ النَّاسِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إِنَّ هَذَا عُمَيْرَ بنَ وَهْب جَاءَنِي بِرِدَائِكَ، وَزَعَمَ أَنَّكَ قَدْ أَمَّنْتَنِي.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "صَدَقَ انْزِلْ أَبَا وَهْبٍ".
فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ، لَا أَنْزِلُ حَتَّى تُبَيِّنَ لِي، وَاجْعَلْنِي فِيهِ بِالْخِيَارِ شَهْرَيْنِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "بَلْ أَنْتَ بِالْخِيَارِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، لَعَلَّ اللَّهَ يَهْدِيكَ".
فنَزَلَ، ثُمَّ خَرَجَ صَفْوَانُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى حُنَيْنٍ وَالطَّائِفِ وَهُوَ مُشْرِك، ثُمَّ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ (1).
= وفي رواية ابن إسحاق في السيرة (4/ 66): عمامته.
(1)
أخرج قصة إسلام صفوان بن أمية رضي الله عنه: =