الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
5 - وَفْدُ نَجْرَانَ
(1)
وَفِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ لِلْهِجْرَةِ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَفْدُ نَصَارَى نَجْرَانَ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَتَبَ إِلَيْهِم كِتَابًا يَدْعُوهُم فِيهِ إِلَى الْإِسْلَامِ، أَوِ الْجِزْيَةِ، وَإِلَّا آذَنَهُمْ بِحَربٍ، فَذُعِرَ أَهْلُ نَجْرَانَ ذُعْرًا شَدِيدًا، فبعَثُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَفْدَهُم، وَكَانُوا سِتِّينَ رَجُلًا، فِيهِمْ أَربَعَةً وَعِشْرِينَ رَجُلًا مِنْ أَشْرَافِهِمْ، مِنْهُمْ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ إِلَيْهِم يَؤُولُ أَمْرُهُمْ، أَحَدُهُمْ: الْعَاقِبُ، وَاسْمُهُ عَبْدُ الْمَسِيحِ، وَهُوَ أَمِيرُ الْقَوْمِ، وَذُو رَأْيِهِمْ، وَالذِي لَا يَصْدِرُونَ (2) إِلَّا عَنْ رَأْيِهِ، وَالثَّانِي: السَّيِّدُ، وَاسْمُهُ الْأَيْهَمُ، وَيُقَالُ: شُرَحْبِيلُ، وَهُوَ ثِمَالُهُمْ (3)، وَصَاحِبُ رَحْلِهِمْ وَمُجْتَمَعِهِمْ، وَالثَّالِثُ: الْأُسْقُفُ، وَاسْمُهُ أَبُو حَارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ مِنْ بَنِي بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، وَهُوَ حَبْرُهُمْ (4) وَإِمَامُهُمْ.
فَلَمَّا وَصَلَ الْوَفْدُ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَالْتَقَوْا بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، دَعَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ
(1) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (8/ 428) نَجْرَان: بفتح النون وسكون الجيم: بلد كبير على سبع مراحل من مكة إلى جهة اليمن.
(2)
صَدَرَ: رجع. انظر لسان العرب (7/ 301).
(3)
الثِّمَال: بكسر الميم: الملجأ والغياث. انظر النهاية (1/ 216).
(4)
الْحَبْرُ: بفتح الحاء: العالِم، وكان يُقال لابن عباس رضي الله عنهما: الحَبر والبحر؛ لعلمه وسعته. انظر النهاية (1/ 317).
-صلى الله عليه وسلم إِلَى الْإِسْلَامِ، وَتَلَا عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ، فَامْتَنَعُوا (1).
رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ بِسَنَدٍ مُرسَلٍ رِجَاله ثِقَاتٌ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: جَاءَ رَاهِبَا نَجْرَانَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"أَسْلِمَا تَسْلَمَا".
فَقَالَا: قَدْ أَسْلَمْنَا قَبْلَكَ.
فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "كَذَبْتُمَا مَنَعَكُمَا مِنَ الْإِسْلَامِ ثَلَاثٌ: سُجُودُكُمَا لِلصَّلِيبِ، وَقَوْلُكُمَا: اتَّخَذَ اللَّه وَلَدًا، وَشُرْبُكُمَا الْخَمْرَ"(2).
ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَخَذَ ينَاقِشُهُمْ فِي عِيسَى عليه السلام، فَقَدْ أَخْرَجَ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ مُرْسَلٍ عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: أَنَّ وَفْدَ نَجْرَانَ أَتَوُا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالُوا: مَا تَقُولُ فِي عِيسَى؟
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "هُوَ رُوحُ اللَّهِ، وَكَلِمَتُهُ، وَعَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ"(3).
وَنَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَوْلُهُ تَعَالَى: {ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ
(1) انظر دلائل النبوة للبيهقي (5/ 383).
(2)
أخرجه الإمام أحمد في فضائل الصحابة - رقم الحديث (1374).
(3)
أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب تواريخ المتقدمين من الأنبياء - باب قصة ولادة عيسى ابن مريم عليه السلام رقم الحديث (4213)، وصححه - وأورده الحافظ ابن كثير في تفسيره (2/ 55) وقال: هكذا رواه الحاكم في مستدركه، وصححه على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، هكذا قال، وقد رواه أبو داود الطيالسي، عن شعبة، عن المغيرة، عن الشعبي مرسلًا، وهذا أصح.
وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (58) إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} (1).
وَكَثُرَ النِّقَاشُ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَبَيْنَ وَفْدِ نَجْرَانَ، وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَتْلُو عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ وَيَقْرَعُ بَاطِلَهُم بِالْحُجَّةِ، فَلَمَّا لَمْ تُجْدِ مَعَهُمُ الْمُجَادَلَةُ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، طَلَبُوا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُبَاهِلَهُمْ (2)، فَوَافَقَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى:{فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} (3)، فَخَافُوا مِنَ الْمباهلَةِ، وَرَفَضُوهَا.
رَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ حُذَيْفَةَ رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ الْعَاقِبُ وَالسَّيِّدُ صَاحِبَا نَجْرَانَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُرِيدَانِ أَنْ يُلَاعِنَاهُ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: لَا تَفْعَلْ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ كَانَ نَبِيًّا فَلَاعَنَنَا، لَا نُفْلِحُ نَحْنُ وَلَا عَقِبُنَا مِنْ بَعْدِنَا (4).
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: لَوْ خَرَجَ الذِينَ يُبَاهِلُونَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم،
(1) سورة آل عمران آية (58 - 60).
(2)
الْمبَاهلَةُ: الْمُلَاعَنَةُ، وهو أن يجتمع القوم إذا اختلفوا في شيء فيقولوا: لعنة اللَّه على الظالم منا. انظر النهاية (1/ 164).
(3)
سورة آل عمران آية (61).
(4)
أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب قصة أهل نجران - رقم الحديث (4380) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (3930).
لَرَجَعُوا لَا يَجِدُونَ مَالًا وَلَا أَهْلًا (1).
ثُمَّ إِنَّهُمْ قَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّا نُعْطِيكَ مَا سَأَلْتَنَا (2).
فَقَبِلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْهُمْ ذَلِكَ، ثُمَّ صَالَحَهُمْ عَلَى الْجِزيةِ، فَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: صَالَحَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَهْلَ نَجْرَانَ عَلَى أَلفيْ حُلَّةٍ: النِّصْفُ فِي صَفَرٍ، وَالنِّصْفُ فِي رَجَبٍ، يُؤَدُّونَها إِلَى الْمُسْلِمِينَ، وَعَارِيَّةٍ ثَلَاثِينَ دِرْعًا، وَثَلَاثِينَ فَرَسًا، وَثَلَاثِينَ بَعِيرًا، وَثَلَاثِينَ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ مِنْ أَصْنَافِ السِّلَاحِ، يَغْزُونَ بِهَا، وَالْمُسْلِمُونَ ضَامِنُونَ لَهَا حَتَّى يَرُدُّوها عَلَيْهِمْ إِنْ كَانَ بِالْيَمَنِ كَيْد أَوْ غَدرَةٌ، عَلَى أَنْ لَا تُهْدَمَ لَهُمْ بِيعَةٌ (3)، وَلَا يُخْرَجَ لَهُمْ قَسٌّ (4)، وَلَا يُفْتَنُوا عَنْ دِينِهِمْ، مَا لَمْ يُحْدِثُوا حَدَثًا، أَوْ يَأْكُلُوا رِبًا (5).
(1) أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (2225) وإسناده صحيح.
(2)
أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب قصة أهل نجران - رقم الحديث (4380) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (3930).
(3)
الْبِيعَة: بكسر الباء هي كنيسة اليهود، وقيل كنيسة النصارى، ومنه قوله تَعَالَى:{وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا} . انظر لسان العرب (1/ 558).
(4)
الْقَسُّ: بفتح القاف هو رئيس من رؤساء النصارى في الدين والعلم. انظر لسان العرب (11/ 157).
(5)
أخرجه أبو داود في سننه - كتاب الخراج والإمارة - باب في أخذ الجزية - رقم الحديث (3041) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (1123).