الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
خِلَافِي، فَقَالَ عُمَرُ: مَا أَرَدْتُ خِلَافَكَ، فتَمَارَيَا (1) حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (2) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (3) إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (4) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (2).
قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: فَكَانَ عُمَرُ رضي الله عنه بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا حَدَّثَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم حَدِيثًا حَدَّثَهُ كَأَخِي السِّرَارِ (3)، لَمْ يُسمِعْهُ حَتَّى يَسْتَفْهِمَهُ (4).
*
سَببٌ آخَرُ في نُزُولِ الْآيَةِ:
رَوَى الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ -وَاللَّفْظُ لِأَحْمَدَ- عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} .
(1) المماراة: المجادلة. انظر النهاية (4/ 275).
(2)
سورة الحجرات آية (1 - 5).
(3)
السِّرَار: بكسر السين: أي الْكَلَامُ السِّرِّ، من الْمُسَارَرَةِ. انظر النهاية (2/ 324).
(4)
أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب قال ابن إسحاق: غزوة عيينة بن حصن - رقم الحديث (4367) - وكتاب التفسير - باب {لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} - رقم الحديث (4845) - وكتاب الاعتصام - باب ما يكره من التعمق - رقم الحديث (7302) - وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (16133).
وَكَانَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ رَفِيعَ الصَّوْتِ، فَقَالَ: أَنَا الذِي كُنْتُ أَرْفَعُ صَوْتِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، حَبِطَ عَمَلِي، أَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ! وَجَلَسَ في أَهْلِهِ حَزِينًا، فتَفَقَّدَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَانْطَلَقَ بَعْضُ الْقَوْمِ إِلَيْهِ، فَقَالُوا لَهُ: تَفَقَّدَكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، مَالَكَ؟ فَقَالَ: أَنَا الذِي أَرْفَعُ صَوْتِي فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ، وَأَجْهَرُ بِالْقَوْلِ، حَبِطَ عَمَلِي، وَأَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَأَتَوُا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرُوهُ بِمَا قَالَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"لَا، بَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ".
قَالَ أَنَسٌ: وَكُنَّا نراهُ يَمْشِي بَيْنَ أَظْهُرِنَا وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّه مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الَيَمَامَةِ (1) كَانَ فِينَا بَعْضُ الِانْكِشَافِ (2)، فَجَاءَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاس رضي الله عنه، وَقَدْ تَحَنَّطَ وَلَبِسَ كَفَنَهُ، فَقَالَ: بِئْسَمَا تُعَوِّدُونَ أَقْرَانَكُمْ، فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ رضي الله عنه (3).
قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْهُ الْحَافِظُ في الْفتْحِ: الصَّحِيحُ أَنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ كَلَامُ جُفَاةِ الْأَعْرَابِ (4).
(1) معركة اليمامة: هي المعركة التي كانت بين المسلمين وبين مسيلمة الكذاب، وكانت في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، في السنة الثَّانية عشرة للهجرة، وقد قُتِل فيها مسيلمة الكذاب.
(2)
كَشِفَ القوم: انهزموا. انظر لسان العرب (12/ 102).
(3)
أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب {لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} - رقم الحديث (4846) - ومسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب مخافة المؤمن أن يحبط عمله - رقم الحديث (119) - وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (12399).
(4)
انظر فتح الباري (9/ 567).