الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تَتَابُعُ الوُفُودِ
ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَكَّةَ، وَقَضَى عَلَى الْوَثَنِيَّةِ فِيهَا، سَارَعَتِ الْقَبَائِلُ إِلَى اعْتِنَاقِ الْإِسْلَامِ، وَالدُّخُولِ فِيهِ.
رَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَمرِو بْنِ سَلَمَةَ الْجَرْمِيِّ رضي الله عنه قَالَ: كُنَّا بِمَاءٍ مَمَرِّ النَّاسِ، وَكَانَ يَمُرّ بِنَا الرُّكْبَانُ فَنَسْأَلُهُمْ: مَا لِلنَّاسِ، مَا لِلنَّاسِ؟ مَا هَذَا الرَّجُلُ؟ .
فَيَقُولُونَ: يَزْعُمُ أَنَّ اللَّه أَرسَلَهُ، أُوحِيَ إِلَيْهِ، أَوْ أَوْحَى اللَّهُ بِكَذَا، فَكُنْتُ أَحْفَظُ ذَلِكَ الْكَلَامَ، وَكَأَنَّمَا يُقَرُّ (1) فِي صَدرِي، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَلَوَّمُ (2) بِإِسْلَامِهِمُ الفَتْحَ، فَيَقُولُونَ: اتْرُكُوهُ وَقَوْمَهُ فَإِنَّهُ إِنْ ظَهرَ عَلَيْهِمْ فَهُوَ نَبِيٌّ صَادِقٌ، فَلَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ أَهْلِ الْفَتْحِ بَادَرَ كُلُّ قَوْمٍ بِإِسْلَامِهِم، وَبَدَرَ أَبِي قَوْمِي بِإِسْلَامِهِمْ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: جِئْتُكُم وَاللَّهِ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حَقًّا (3).
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: لَمَّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَكَّةَ، وَفَرَغَ مِنْ تَبُوكَ،
(1) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (8/ 338) يُقرُّ بضم الياء وفتح القاف وتشديد الراء من القرار.
(2)
تَلَوّم: بفتح التاء واللام وتشديد الواو: أي ينتظر. انظر النهاية (4/ 238).
(3)
أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب (54) - رقم الحديث (4302).
وَأَسْلَمَتْ ثَقِيفٌ (1) وَبَايَعَتْ، ضَرَبَتْ إِلَيْهِ وُفُودُ الْعَرَبِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، . . . وَإِنَّمَا كَانَتِ الْعَرَبُ تَرَبَّصُ (2) بِالْإِسْلَامِ أَمْرُ هَذَا الْحَيِّ مِنْ قُريْشٍ، وَأَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَذَلِكَ أَنَّ قُرَيْشًا كَانُوا إِمَامَ النَّاسِ وهَادِيَهُمْ، وَأَهْلَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ، وَصَرِيحَ وَلَدِ إِسمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عليهما السلام، وَقَادَةَ الْعَرَبِ، لَا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ هِيَ التِي نَصَبَتْ لِحَربِ رَسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم وخِلَافِهِ، فَلَمَّا افْتُتِحَتْ مِكَّةُ وَدَانَتْ (3) قُرَيْشٌ، وَدَوَّخَهَا (4) الْإِسْلَامُ، عَرَفَتِ الْعَرَبُ أَنَّهُ لَا طَاقَةَ لَهُمْ بِحَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلَا عَدَاوَيهِ، فَدَخَلُوا فِي دِينِ اللَّهِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ عز وجل {أَفْوَاجًا} ، يَضْرِبُونَ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3)} (5).
وَلذَلِكَ بَلَغَتِ الْوُفُودُ أَوْجَها (6) فِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ لِلْهِجْرَةِ بَعْدَ مَقْدِمِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ تَبُوكَ، حَتَّى سُمِّيَتْ هَذِهِ السَّنَةُ سَنَةَ الْوُفُودِ لِكَثْرَةِ مَا جَاءَ رَسُولَ اللَّهِ
(1) سيأتي بعد قليل خبر إسلامهم.
(2)
التربص: المكث والانتظار. انظر لسان العرب (5/ 108).
(3)
دَانَتْ: خَضَعَتْ وَذَلَّتْ. انظر لسان العرب (4/ 422).
(4)
دَوَّخَها: أي أَذَلَها وأَخْضَعها. انظر لسان العرب (4/ 437).
(5)
سورة النصر بكاملها - وانظر كلام ابن إسحاق في السيرة (4/ 214).
(6)
الأَوْجُ: ضِدَّ الْهبوطِ. انظر القاموس المحيط. أي بلغت الوفود أعلاها وقِمَّتَها في العام التاسع الهجري.
-صلى الله عليه وسلم مِنَ الْوُفُودِ (1)، وَتَتَابَعَتْ فِي السَّنَةِ الْعَاشِرَةِ وَالْحَادِيَةِ عَشْرَةَ لِلْهِجْرَةِ.
وَكَانَتْ هَذِهِ الْوُفُودُ تَرِدُ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَيَضْرِبُ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَنْزِلًا لِرَوَاحِلِهم قُربَ مَسْجِدِهِ الشَّرِيفِ، فيقِيمُونَ فِيهِ أَيَّامًا، فَيَسْمَعُونَ مِنَ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم بَيَانَهُ وَمَوْعِظَتَهُ.
وَتَجْدُرُ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ وِفَادَةَ عَامَّةِ الْقَبَائِلِ وَإِنْ كَانَتْ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، لَكِنْ هُنَاكَ قبائِلُ وَفَدَتْ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ كَمَا مَرَّ مَعَنَا.
وَالْوُفُودُ التِي ذَكَرَها أَهْلُ الْمَغَازِي وَالسِّيَرِ يَزِيدُ عَدَدُها عَلَى السَّبْعِينَ، وَنَحْنُ سَنَذْكُرُ أَهَمَّ هَذِهِ الْوُفُودِ.
* * *
(1) قال ابن هشام في السيرة (4/ 214): حدثني أبو عبيدة: أنها كانت تُسمّى -أي السنة التاسعة للهجرة- سنة الوفود.