الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْمُنْذِرِ بْنِ سَاوَى مَلِكِ الْبَحْرِينِ
وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم منْصَرَفَهُ مِنَ الْجِعْرَانَةِ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيَّ رضي الله عنه، إِلَى الْمُنْذِرِ بْنِ سَاوَى الْعَبْدِيِّ مَلِكِ الْبَحْرَيْنِ، وَكتَبَ إِلَيْهِ كِتَابًا يَدْعُوهُ فِيهِ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَبَعَثَ مَعَهُ نَفَرًا فِيهِمْ: أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، وَأَوْصَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بمَنْ مَعَهُ خَيْرًا.
فَلَمَّا قَدِمَ الْعَلَاءُ رضي الله عنه عَلَى الْمُنْذِرِ بْنِ سَاوَى قَالَ لَهُ: يَا مُنْذِرُ! إِنَّكَ عَظِيمُ الْعَقْلِ في الدُّنْيَا فَلَا تَصْغُرَنَّ عَنِ الْآخِرَةِ، إِنَّ هَذِهِ الْمَجُوسِيَّةَ شَرُّ دِينٍ، يُنْكَحُ فِيهَا مَا يُسْتَحْيَا مِنْ نِكَاحِهِ، وَيَأْكُلُونَ مَا يُتَكَرَّهُ مِنْ أَكْلِهِ، وَتَعْبُدُ في الدُّنْيَا نَارًا تَأْكُلُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَسْتَ بِعَدِيمِ عَقْلٍ وَلَا رَأْيٍ، فَانْظُرْ هَلْ يَنْبَغِي لِمَنْ لَا يَكْذِبُ في الدُّنْيَا أَنْ لَا نُصَدِّقَهُ، وَلِمَنْ لَا يَخُونُ أَنْ لَا نَأْتْمِنَهُ، وَلِمَنْ لَا يُخْلِفُ أَنْ لَا نَثِقَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ هَذَا هَكَذَا، فَهَذَا هُوَ النَّبِيُّ الْأُمِّيُّ الذِي وَاللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُ ذُو عَقْلٍ أَنْ يَقُولَ: لَيْتَ مَا أَمَرَ بِهِ نَهَى عَنْهُ، أَوْ مَا نَهَى عَنْهُ أَمَرَ بِهِ.
فَقَالَ الْمُنْذِرُ: قَدْ نَظَرْتُ في هَذَا الذِي في يَدَيَّ -يَقْصِدُ كِتَابَ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم فَوَجَدْتُهُ لِلدُّنْيَا دُونَ الآخِرَةِ، وَنَظَرْتُ في دِينِكُمْ فَرَأَيْتُهُ لِلْآخِرَةِ وَالدُّنْيَا، فَمَا يَمْنَعُنِي مِنْ كبولِ دِينٍ فِيهِ أُمْنِيَةُ الْحَيَاةِ وَرَاحَةُ الْمَوْتِ؟
وَلقدْ عَجِبْتُ أَمْسَ مِمَّنْ يَقْبَلُهُ، وَعَجِبْتُ الْيَوْمَ مِمَّنْ رَدَّهُ، وَإِنَّ مِنْ إِعْظَامِ مَنْ جَاءَ بِهِ أَنْ يُعَظَّمَ رَسُولُهُ، وَسَأَنْظُرُ.
ثُمَّ أَسْلَمَ الْمُنْذِرُ، وَكتَبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَهَذَا نَصُّ كِتَابِهِ:
أَمَّا بَعْدُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَإِنِّي قَرَأْتُ كِتَابَكَ عَلَى أَهْلِ الْبَحْرَيْنِ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَحَبَّ الْإِسْلَامَ، وَأَعْجَبَهُ وَدَخَلَ فِيهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَرِهَهُ، وَبِأَرْضِي مَجُوسٌ وَيَهُودُ، فَأَحْدِثْ إِلَيَّ في ذَلِكَ أَمْرَكَ.
فَكَتَبَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى الْمُنْذِرِ بْنِ سَاوَى، سَلَامٌ عَلَيْكَ، فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكَ اللَّه الذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي أُذَكِّرُكَ اللَّه عز وجل، فَإِنَّهُ مَنْ يَنْصَحْ، فَإِنَّمَا يَنْصَحُ لِنَفْسِهِ، وَإِنَّهُ مَنْ يُطِعْ رُسُلِي، وَيَتَّبعْ أَمْرَهُمْ فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ نَصَحَ لَهُمْ، فَقَدْ نَصَحَ لِي، وَإِنَّ رُسُلِي قَدْ أَثْنَوْا عَلَيْكَ خَيْرًا، وَإِنِّي قَدْ شَفَعْتُكَ في قَوْمِكَ، فَاتْرُكْ لِلْمُسْلِمِينَ مَا أَسْلَمُوا عَلَيْهِ، وَعَفَوْتُ عَنْ أَهْلِ الذُّنُوبِ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَإِنَّكَ مَهْمَا تُصْلِحُ، فَلَنْ نَعْزِلَكَ عَنْ عَمَلِكَ، وَمَنْ أَقَامَ عَلَى يَهُودِيَّةٍ أَوْ مَجُوسِيَّةٍ فَعَلَيْهِ الْجِزْيَةُ".
وَلَمْ يَزَلِ الْعَلَاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ رضي الله عنه عَامِلَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى الْبَحْرَيْنِ حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم (1).
(1) خبر إرسال رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم العلاء بن الحضرمي إلى البحرين ومصالحتهم ثابت في صحيح البخاري - كتاب الرقائق - باب ما يحذر من زهرة الدنيا - رقم الحديث (6425) - ومسلم في صحيحه - كتاب الزهد والرقائق - رقم الحديث (2961) - وذكر تفاصيل الخبر: ابن سعد في طبقاته (1/ 126) - وابن القيم في زاد المعاد (3/ 605) - وذكر ابن إسحاق في السيرة (4/ 263) بعث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم العلاء بن الحضرمي رضي الله عنه إلى ملك البحرين، لكن بدون تفصيل.