الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عُمَرَ رضي الله عنه، قَالَ: ثُمَّ خَطَبَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه، وَاعْتَذَرَ إلى النَّاسِ، وَقَالَ: مَا كُنْتُ حِرِيصًا عَلَى الْإِمَارَةِ يَوْمًا وَلَا لَيْلَةً، وَلَا سَأَلتهَا في سِرٍّ وَلَا عَلَانِيَةٍ، فَقَبِلَ الْمُهَاجِرُونَ مَقَالَتَهُ، وَقَالَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ رضي الله عنهما: مَا غَضِبْنَا إِلَّا لِأَنَّا أُخِّرْنَا عَنِ الْمَشُورَةِ، وَإِنَّا نَرَى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَحَقَّ النَّاسِ بِهَا، وَإِنَّهُ لَصَاحِبُ الْغَارِ، وَإِنَّا لَنَعْرِفُ شَرَفَهُ وَخَبَرَهُ، وَلَقَدْ أَمَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ وَهُوَ حَيٌّ (1).
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ في فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا بُوبع لِأَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه بَعْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كَانَ عَلِيٌّ، وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ رضي الله عنهما يَدْخُلَانِ عَلَى فَاطِمَةَ رضي الله عنها فَيُشَاوِرَانِهَا، فبلَغَ عُمَرُ رضي الله عنه، فَدَخَلَ عَلَى فَاطِمَةَ رضي الله عنها، فَقَالَ: يَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا أَحَدٌ مِنَ الْخَلْقِ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ أَبِيكِ، وَمَا أَحَدٌ مِنَ الْخَلْقِ بَعْدَ أَبِيكِ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْكِ، وَكَلَّمَهَا، فَدَخَلَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ رضي الله عنهما عَلَى فَاطِمَةَ رضي الله عنها، فَقَالَتْ: انْصَرِفَا رَاشِدَيْنِ، فَمَا رَجَعَا إِلَيْهَا حَتَّى بَايَعَا (2).
*
رِوَايَةُ الصَّحِيحَيْنِ:
قُلْتُ: وَأَمَّا مَا وَقَعَ في الصَّحِيحَيْنِ مِنْ أَنَّ عَلِيًّا رضي الله عنه بَايَعَ أَبَا بَكْرٍ رضي الله عنه بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَذَلِكَ حِينَ توُفِّيَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ
(1) أورده الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية - رقم الحديث (5/ 262) - وجود إسناده.
(2)
أخرجه الإِمام أحمد في فضائل الصحابة - رقم الحديث (532) - بإسناد رجاله ثقات غير محمَّد بن إبراهيم، فقد سكت عنه أبو نعيم، والخطيب.
-صلى الله عليه وسلم رضي الله عنها (1)، فَقَدْ جَمَعَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ بَيْنَ ذَلِكَ (2) فَقَالَ: . . . أَنَّ عَلِيًّا رضي الله عنه بَايَعَ أَوَّلًا مَعَ النَّاسِ الْبَيْعَةَ الْعَامَّةَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَلَمَّا حَصَلَ مِنْ فَاطِمَةَ رضي الله عنها، عَتْبٌ عَلَى الصِّدِّيقِ رضي الله عنه بِسَبَبِ مَا كَانَتْ مُتَوَهِّمَةً أَنَّهَا تَسْتَحِقُّ مِيرَاثَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَلَمْ تَعْلَمْ بِمَا أَخْبَرَهَا بِهِ الصِّدِّيقُ رضي الله عنه، أَنَّهُ قاَلَ صلى الله عليه وسلم:"لَا نورَثُ مَا تَرَكْنَاهُ فَهُوَ صَدَقَةٌ"، فَحَجَبَهَا وَغَيْرَهَا مِنْ أَزْوَاجِهِ صلى الله عليه وسلم (3) وَعَمَّهُ مِنْ مِيرَاثِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِهَذَا النَّصِّ الصَّرِيحِ، وَهُوَ الصَّادِقُ البَارُّ، الرَّاشِدُ، التَّابعُ لِلْحَقِّ رضي الله عنه، فَحَصَلَ لَهَا رضي الله عنها -وَهِيَ امْرَأَةٌ مِنَ الْبَشَرِ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةِ الْعِصْمَةِ- عَتْبٌ وَتَغَضُّبٌ، وَلَمْ تُكَلِّمِ الصِّدِّيقَ رضي الله عنه حَتَّى مَاتَتْ، وَاحْتَاجَ عَلِيٌّ رضي الله عنه أَن يُرَاعِيَ خَاطِرَهَا بَعْضَ الشَّيْءِ، فَلَمَّا مَاتَتْ رضي الله عنها بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَفَاةِ أَبِيهَا صلى الله عليه وسلم رَأَى عَلِيٌّ رضي الله عنه أَنْ يجَدِّدَ البيعة لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه.
وَهَذَا هُوَ اللَّائِقُ بِعَلِيٍّ رضي الله عنه مِنْ مبايَعَتِهِ لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه فِي أَوَّلِ أَوْ
(1) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة خيبر - رقم الحديث (4240)(4241) - ومسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا نورث ما تركنا فهو صدقة" - رقم الحديث (1759).
(2)
وَقَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (8/ 280): وأما بيعة علي رضي الله عنه لأبي بكر رضي الله عنه بعد وفاة فاطمة رضي الله عنها، فكانت بيعة ثانية مؤكدة للأولى لإزالة ما كان وقع بسبب الميراث.
(3)
روى البخاري في صحيحه - رقم الحديث (6730) - ومسلم في صحيحه - رقم الحديث (1758) - عن عائشة رضي الله عنها قالت: أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم حين توفي رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، أردن أن يبعثن عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى أبي بكر رضي الله عنه، يسألنه ميراثهن من النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت عائشة رضي الله عنها لهن: أليس قال رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "لا نورث ما تركنا فهو صدقة"؟ .
ثَانِي يَوْمٍ مِنْ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ الذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ الْآثارُ مِنْ شُهُودِهِ مَعَهُ الصَّلَوَاتِ، وَخُرُوجِهِ مَعَهُ إلى ذِي الْقَصَّةِ (1) لِقِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ، بَعْدَ مَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَبَذْلِهِ النَّصِيحَةَ وَالْمَشُورَةَ بَيْنَ يَدَيْهِ (2).
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ في دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: قِيلَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه: أَلَا تَسْتَخْلِفُ عَلَيْنَا؟
قَالَ: مَا اسْتَخْلَفَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَسْتَخْلِفُ، وَلَكِنْ إِنْ يُرِدِ اللَّهُ بِالنَّاسِ خَيْرًا، فَسَيَجْمَعُهُمْ بَعْدِي عَلَى خَيْرِهِمْ، كَمَا جَمَعَهُمْ بَعْدَ نَبِيِّهِمْ عَلَى خَيْرِهِمْ (3).
وَيَظْهَرُ لَنَا مِنْ هَذَا كُلِّهِ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم الْمُهَاجِرِينَ مِنْهُمْ وَالْأَنْصَارِ عَلَى تَقْدِيمِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه.
وَيَظْهَرُ لَنَا أَيْضًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، لَمْ يَنُصَّ عَلَى الْخِلَافَةِ عَيْنًا لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، لَا لِأَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه، كَمَا قَدْ زَعَمَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَلَا لِعَلِيٍّ رضي الله عنه، كَمَا يَقُولهُ طَائِفَةٌ مِنَ الرَّافِضَةِ، وَلَكِنْ أَشَارَ إِشَارَةً قَوِيَّةً يَفْهَمُهَا كُلُّ ذِي لُبٍّ، وَعَقْلٍ إلى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه (4).
(1) ذِي الْقَصَّةِ: بفتح القاف وفتح الصاد المشددة، موضع قريب من المدينة. انظر النهاية (4/ 64).
(2)
انظر البداية والنهاية (5/ 262)(6/ 693).
(3)
أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (7/ 223) - وأورده الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (5/ 263) - وجود إسناده.
(4)
انظر البداية والنهاية (5/ 262).