الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
*
قَوْلَةٌ جَمِيلَةٌ لِلشَّيْخِ مُحَمَّد الغَزَالِي رحمه الله:
وَفِي يَوْمِ الفَتْحِ قَدْ تَرْجعُ بِنَا الذِّكرَيَاتُ إِلَى رِجَالٍ لَمْ يَشْهَدُوا هَذَا النَّصْرَ المُبِينَ، وَلَمْ يَسْمَعُوا صَوْتَ بِلَالٍ رضي الله عنه يَرِنُّ فَوْقَ ظَهْرِ الكَعْبَةِ بِشِعَارِ التَّوْحِيدِ، وَلَمْ يَرَوُا الأَصْنَامَ مَكْبُوبَةً عَلَى وُجُوهِهَا مُسَوَّاةً بِالرُّغَامِ (1)، وَلَمْ يَرَوْا عُبَّادَهَا الأَقْدَمِينَ وَقَدْ أَلْقَوُا السَّلَمَ وَاتَّجَهُوا إِلَى الإِسْلَامِ. . . إِنَّهُمْ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا إِبَّانَ المَعْرَكَةِ الطَّوِيلَةِ التِي نَشِبَتْ بَيْنَ الإِيمَانِ وَالكُفْرِ، وَلَكِنَّ النَّصْرَ الذِي يَجْنِي الأَحْيَاءُ ثِمَارَهُ اليَوْمَ لَهُمْ فِيهِ نَصِيبٌ كَبِيرٌ، وَجَزَاؤُهُمْ عَلَيْهِ مَكْفُولٌ عِنْدَ مَنْ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ (2).
*
أَثَرُ فَتْحِ مَكَّةَ وَدُخُولِ النَّاسِ فِي دِينِ اللَّهِ أَفوَاجًا:
كَانَ لِفَتْحِ مَكَّةَ أَثَر عَمِيقٌ فِي نُفُوسِ العَرَبِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَرَبَّصُونَ (3) نَتِيجَةَ الصِّرَاعِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ وَقُرَيْشٍ، فَلَمَّا انتصَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى قُرَيْشٍ دَخَلَ النَّاسُ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا.
رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَمْرِو بنِ سَلَمَةَ الجَرْمِيِّ (4) رضي الله عنه أَنَّهُ
= الحديث (1963) - وأخرجه بنحوه: الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب في المتعة في الحج والعمرة - رقم الحديث (1217).
(1)
الرغام: التراب. انظر النهاية (2/ 217).
(2)
انظر فقه السيرة ص 385 للشيخ محمد الغزالي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
(3)
التربُّص: المكث والانتظار. انظر النهاية (2/ 169).
(4)
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (8/ 338): الجرمي: بفتح الجيم وسكون الراء.
قَالَ: كَانَتِ العَرَبُ تَلَوَّمُ (1) بِإِسْلَامِهِمُ الفَتْحَ، فَيَقُولُونَ: اتْرُكُوهُ وَقَوْمَهُ، فَإِنَّهُ إِنْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ فَهُوَ نَبِيٌّ صَادِقٌ، فَلَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ أَهْلِ الفَتْحِ بَادَرَ كُلُّ قَوْمٍ بِإِسْلَامِهِمْ (2).
وَقَالَ ابنُ إِسْحَاقَ: وَإِنَّمَا كَانَتِ العَرَبُ تَرَبَّصُ بِالإِسْلَامِ أَمْرَ هَذَا الحَيِّ مِنْ قُرَيْشٍ، وَأَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَذَلِكَ أَنَّ قُرَيْشًا كَانُوا إِمَامَ النَّاسِ وَهَادِيهِمْ، وَأَهْلَ البَيْتِ الحَرَامِ، وَصَرِيحَ (3) وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ بنِ إِبْرَاهِيمَ عليهما السلام، وَقَادَةَ العَرَبِ لَا يُنْكَرُونَ ذَلِكَ، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ هِيَ التِي نَصَبَتْ (4) لِحَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَخِلَافِهِ، فَلَمَّا افْتُتِحَتْ مَكَّةُ، وَدَانَتْ لَهُ قُرَيْشٌ، وَدَوَّخَهَا (5) الإِسْلَامُ، وَعَرَفَتِ العَرَبُ أَنَّهُ لَا طَاقَةَ لَهُمْ بِحَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلَا عَدَاوَتِهِ، فَدَخَلُوا فِي دِينِ اللَّهِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ عز وجل:{أَفَوَاجًا} (6)، يَضْرِبُونَ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ (7).
وَسَنُفَصِّلُ أَمْرَ دُخُولِ النَّاسِ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا عِنْدَ الحَدِيثِ عَنْ عَامِ الوُفُودِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
(1) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (8/ 338): تلوّم: بفتح التاء واللام وتشديد الواو: أي تنتظر.
(2)
أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب (54) - رقم الحديث (4302).
(3)
الصَّرِيح: الخالص من كل شيء. انظر النهاية (3/ 19).
(4)
يُقال: ناصبه الشر والحرب: أظهره له. انظر لسان العرب (14/ 156).
(5)
دَوَّخها: أذلها. انظر النهاية (2/ 129).
(6)
الفوج: الجماعة من الناس. انظر النهاية (3/ 429).
(7)
انظر سيرة ابن هشام (4/ 214).