الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَإِنَّ لَنَا هُنَا لَوَقفةً تُرِينَا كَيْفَ بَلَغَ حُبُّ الْجِهَادِ وَالْبَذْلُ في سَبِيلِ اللَّهِ في نُفُوسِ الصَّحَابَةِ، وَأَنَّهُمْ كَانُوا يُؤثِرُونَ رِضَا اللَّهِ عز وجل وَرَسُولهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى كُلِّ مَحْبُوبٍ لَدَيْهِمْ، وَبِهَذِهِ الْمَعَانِي وَالْخَصَائِصِ النَّفْسِيَّةِ فتَحُوا الْعَالَمَ وَسَادُوا الدُّنْيَا (1).
*
شَأْنُ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ رضي الله عنه وَأَصْحَابِهِ:
رَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: أَرْسَلَنِي أَصْحَابِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَسْأَلُه الْحُمْلَانَ (2) لَهُمْ، إِذْ هُمْ مَعَهُ في جَيْشِ الْعُسْرَةِ، وَهِيَ غَزْوَةُ تَبوكَ، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! إِنَّ أَصْحَابِي أَرْسَلُونِي إِلَيْكَ لِتَحْمِلَهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ عَلَى شَيْءٍ"(3) وَوَافَقْتُهُ وَهُوَ غَضْبَانُ، وَلَا أَشْعُرُ، وَرَجَعْتُ حَزِينًا مِنْ مَنع النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَمِنْ مَخَافَةِ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَجَدَ في نَفْسِهِ عَلَيَّ، فَرَجَعْتُ إِلَى أَصْحَابِي فَأَخْبَرتُهُمُ الذِي قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَلَمْ أَلْبَثْ إِلَّا سُوَيْعَةً إِذْ سَمِعْتُ بِلَالًا يُنَادِي: أَيْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ (4)! فَأَجَبْتَهُ، فَقَالَ: أَجِبُّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَدْعُوكَ، فَلَمَّا أَتَيْتُهُ، قَالَ
(1) انظر السِّيرة النَّبوِيَّة في ضوء القرآن والسنة (2/ 497) للدكتور محمَّد أبو شهبة رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
(2)
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (8/ 450): الْحُمْلَانُ: بضم الحاء: أي الشيء الذي يَركبونَ عليهِ ويَحْمِلُهُمْ.
(3)
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى في صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ وَمَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ".
(4)
هو اسم أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.
رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "خُذْ هَذَيْنِ الْقَرِينَيْنِ (1)، وَهَذَيْنِ الْقَرِينَيْنِ لِسِتَّةِ أَبْعِرَةٍ ابْتَاعَهُنَّ (2) حِينَئِذٍ مِنْ سَعْدٍ (3) فَانْطَلِقْ بِهِنَّ إِلَى أَصْحَابِكَ، فَقُلْ: إِنَّ اللَّه -أَوْ قَالَ- إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَحْمِلُكُمْ عَلَى هَؤُلَاءِ فَارْكبُوهُنَّ"، فَانْطَلَقْتُ إِلَيْهِمْ بِهِنَّ فَقُلْتُ: إِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَحْمِلُكُمْ عَلَى هَؤُلَاءِ، وَلَكِنِّي وَاللَّهِ لَا أَدَعُكُمْ حَتَّى يَنْطَلِقَ مَعِي بَعْضُكُمْ إِلَى مَنْ سَمِعَ مَقَالة رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، لَا تَظُنُّوا أَنِّي حَدَّثْتُكُمْ شَيْئًا لَمْ يَقُلْهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالُوا لِي: إِنَّكَ عِنْدَنَا لَمُصَدَّقٌ، وَلَنَفْعَلَنَّ مَا أَحْبَبْتَ، فَانْطَلَقَ أَبُو مُوسَى بِنَفَرٍ مِنْهُمْ حَتَّى أَتَوُا الذِينَ سَمِعُوا قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَنْعَهُ إِيَّاهُمْ، ثُمَّ إِعْطَاءَهُمْ بَعْدُ، فَحَدَّثُوهُمْ بِمِثْلِ مَا حَدَّثَهُمْ بِهِ أَبُو مُوسَى (4).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى في الصَّحِيحَيْنِ قَالَ أَبُو مُوسَى رضي الله عنه: فَقُلْنَا: مَا صَنَعْنَا؟ حَلَفَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَا يَحْمِلُنَا وَمَا عِنْدَهُ مَا يَحْمِلُنَا، ثُمَّ حَمَلَنَا، تَغَفَّلْنَا (5) رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَمِينَهُ، وَاللَّهِ لَا نُفْلحُ أَبَدًا، فَرَجَعْنَا إِلَيْهِ، فَقُلْنَا لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا أَتَيْنَاكَ نَسْتَحْمِلُكَ، وَإِنَّكَ حَلَفْتَ أَنْ لَا تَحْمِلُنَا، ثُمَّ حَمَلْتَنَا، أَفَنَسِيتَ؟
(1) الْقَرِينَيْنِ: أي الْجَمَلَيْنِ الْمَشْدُودَيْنِ أحدهما إلى الآخر. انظر النهاية (4/ 47).
(2)
ابْتَاعَ الشيءَ: اشْتَرَاهُ. انظر لسان العرب (1/ 557).
(3)
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (8/ 450): لم يتعين لي من هو سعد إلى الآن، إِلا أنه يهجس في خاطري أنَّه سعد بن عبادة رضي الله عنه.
(4)
أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة تبوك وهي غزوة العسرة - رقم الحديث (4415) - ومسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب ندب من حلف يمينًا، فرأى غيرها خيرًا منها - رقم الحديث (1649)(8).
(5)
تغفّلنا: أي جَعَلْنَاهُ غَافلًا عن يمينه بسبب سؤالنا. انظر النهاية (3/ 337).