الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
-صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَ لَه مَا قَالَ جُلَاسٌ، فَأَتَى جُلَاسٌ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وجَعَلَ يَحْلِفُ بِاللَّهِ مَا قَالَ، وَلقدْ كَذَبَ عَلَيَّ عُمَيْرٌ، وَمَا قُلْتُ مَا قَالَ عُمَيْرٌ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فيه:{يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} (1).
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ في السِّيرَةِ: فزَعَمُوا أَنَّ الْجُلَاسَ تَابَ، وَحَسُنَتْ تَوْبَتُهُ، حَتَّى عُرِفَ مِنْهُ الْإِسْلَامُ وَالْخَيْرُ (2).
*
بِنَاءُ المُنَافِقِينَ مَسْجِدَ الضِّرَارِ:
وَوَصَلَتِ الْجُرْأَةُ بِالْمُنَافِقِينَ عَلَى اللَّهِ وَرَسُولهِ أَنْ يَبْنُوا مَسْجِدًا قبَيْلَ غَزْوَةِ تَبُوكَ لِيَجْتَمِعُوا فِيهِ، وَيُدِيرُوا حَلَقَاتِ تَآمُرِهِمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَزَعَمُوا أَنَّهُمْ بَنَوْهُ لِلْمَنْفَعَةِ وَالتَّوْسِعَةِ عَلَى أَهْلِ الضَّعْفِ وَالْعِلَّةِ، وَمَنْ عَجَزَ عَنِ الْمَسِيرِ إِلَى مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَكَانَ الذِي أَمَرَهُمْ ببنَائِهِ أَبُو عَامِرٍ الْفاسِقُ (3)، وَكَانَ وَاعَدَهُمْ أَنْ يُعِينَهُمْ بِالْمَالِ وَالسِّلَاحِ، وَأَنْ يَأْتِيَهُمْ بِقُوَّةٍ مِنَ الرّومِ لِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم منَ
(1) سورة التوبة آية (74) - والخبر أخرجه الأموي في مغازيه كما في الاستيعاب في معرفة الأسباب (2/ 291) - وأخرجه ابن إسحاق في السيرة (2/ 133) بدون سند.
(2)
انظر سيرة ابن هشام (2/ 133).
(3)
هذا الرجل هو الذي حفر الحفر يوم غزوة أُحد؛ ليسقط فيها المسلمون، وقد وقع رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في حفرة من حفر أبي عامر هذا. وانظر تفاصيل ذلك في غزوة أُحد -كما تقدم- وهو والد حنظلة غسيل الملائكة رضي الله عنه.
الْمَدِينَةِ، وَكَانُوا قَدْ طَلَبُوا مِنَ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ، وَلَكِنَّ اللَّه فَضَحَ حَقِيقَةَ نوايَاهُمْ، فَأَنْزَلَ عَلَى رَسُولهِ صلى الله عليه وسلم قَوْلَهُ تَعَالَى:{وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (107) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} (1).
فَامْتَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الصَّلَاةِ فِيهِ، وَقَالَ:"إِنِّي عَلَى جَنَاحِ سَفَرٍ، وَحَالِ شغْلٍ، وَلَوْ قَدِمْنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَأَتَيْنَاكُمْ، فَصَلَّيْنَا لَكُمْ فِيهِ"(2).
وَكَانَ نُزُولُ هَذِهِ الْآيَاتِ عِنْدَمَا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ تَبُوكَ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ أَمَرَ بِإِحْرَاقِ مَسْجِدِ الضِّرَارِ كَمَا سَيَأْتِي.
فَهَذَا هُوَ مَسْجِدُ الضِّرَارِ الذِي اتُّخِذَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَكِيدَةً لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ، لَا يُرَادُ بِهِ إِلَّا الْإِضْرَارُ بِالْمُسْلِمِينَ، وَإِلَّا الْكُفْرُ بِاللَّهِ، وَإِلَّا سَتْرُ الْمُتَآمِرِينَ عَلَى الْجَمَاعَةِ الْمُسْلِمَةِ، الْكَائِدِينَ لَهَا في الظَّلَامِ، وَإِلَّا التَّعَاوُنُ مَعَ أَعْدَاءَ هَذَا الدِّينِ عَلَى الْكَيْدِ لَهُ تَحْتَ سِتَارِ الدِّينِ. . .، هَذَا الْمَسْجِدُ مَا يَزَالُ يُتَّخَذُ في صُوَرٍ شَتَّى تُلَائِمُ ارْتِقَاءَ الْوَسَائِلِ الْخَبِيثَةِ التِي يَتَّخِذُهَا أَعْدَاءُ هَذَا الدِّينِ، تُتَّخَذُ في صُورَةِ نَشَاطٍ ظَاهِرُهُ لِلْإِسْلَامِ، وَبَاطِنُهُ لِسَحْقِ الْإِسْلَامِ، أَوْ
(1) سورة التوبة آية (107 - 108).
(2)
أخرج ذلك الطبري في جامع البيان (6/ 471) - والبيهقي في دلائل النبوة (5/ 260) - وإسناده حسن - وأخرجه ابن إسحاق في السيرة (4/ 183) بدون سند.