الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
2 - وَفْدُ الدَّاوِيِّينَ
قَدِمَ وَفْدُ الدَّارِيِّينَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُنْصَرَفَهُ مِنْ تَبُوكَ، وَكَانُوا عَشَرَةَ نَفَرٍ، فِيهِمْ: تَمِيمُ بْنُ أَوْسٍ الدَّارِيُّ، وَأَخُوهُ نُعَيْمٌ، وَكَانُوا عَلَى دِينِ النَّصرَانِيَّةِ، فَأَسْلَمُوا وَحَسُنَ إِسْلَامُهُمْ.
* رِوَايَةُ حَدِيثِ الْجسَّاسَةِ (1) وَالدَّجَالِ (2):
وَمِنْ فَضَائِلِ تَمِيمٍ رضي الله عنه أَنَّهُ ذَكَرَ لِلرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم قِصَّةَ الْجَسَّاسَةِ وَالدَّجَّالِ، وَحَدَّثَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْهُ بِذَلِكَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ رضي الله عنها قَالَتْ: . . . سَمِعْتُ نِدَاءَ الْمُنَادِي، مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يُنَادِي: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ، فَخَرَجْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَصَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فكُنْتُ فِي صَفِّ النِّسَاءِ التِي تَلِي ظُهُورَ القوْمِ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَلَاتَهُ، جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقَالَ:"لِيَلْزَم كُلُّ إِنْسَانٍ مُصَلَّاهُ"، ثُمَّ قَالَ:"أَتَدْرُونَ لِمَ جَمَعتُكُم؟ "، قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعلَمُ.
(1) الْجَسَّاسَةُ: هي دَابَّةٌ، سميت بذلك، لأنها تَجُسُّ الأخبار للدجال. انظر النهاية (1/ 263).
(2)
الدجال: هو الكذاب. انظر النهاية (2/ 96).
ويسمى المسيح لأن عينه الواحدة ممسوحة، وقيل لأنه يمسح الأرض: أي يقطعُها. انظر النهاية (4/ 279).
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنِّي، وَاللَّهِ مَا جَمَعتُكُمْ لِرَغْبَةٍ وَلَا لِرَهْبَةٍ، وَلَكِنْ جَمَعْتُكُمْ؛ لِأَنَّ تَمِيمًا الدَّارِيَّ، كَانَ رَجُلًا نَصْرَانِيًا، فَجَاءَ فَبَايَعَ وَأَسْلَمَ، وَحَدَّثَنِي حَدِيثًا وَافَقَ الذِي كنْتُ أُحَدِّثُكُم عَنْ مَسِيحِ الدَّجَّالِ، حَدَّثَنِي: أنَّهُ رَكِبَ فِي سَفِينَةٍ بَحْرِيَّةٍ، مَعَ ثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنْ لَخْمٍ وَجُذَامٍ، فَلَعِبَ بِهِمُ الْمَوْجُ شَهْرًا فِي الْبَحْرِ، ثُمَّ أَرْفَؤُوا (1) إِلَى جَزِيرة فِي الْبحرِ حَتَّى مَغْرِبِ الشَّمْسِ، فَجَلَسُوا فِي أَقْرُبِ (2) السَّفِينَةِ، فَدَخَلُوا الْجَزِيرَةَ، فَلَقِيتُهُمْ دَابَّة أَهْلَبُ (3) كَثِيرُ الشَّعْرِ، لَا يَدْرُونَ مَا قُبُلُهُ مِنْ دُبُرِهِ، مِنْ كَثْرَةِ الشَّعْرِ، فَقَالُوا: وَيْلَكِ! مَا أَنْتِ؟
فَقَالَتْ: أَنَا الْجَسَّاسَةُ، قَالُوا: وَمَا الْجَسَّاسَةُ؟
قَالَتْ: أَيُّها الْقَوْمُ! انْطَلِقُوا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فِي الدَّيْرِ (4)، فَإِنَّهُ إِلَى خَبَرِكُمْ بِالْأَشْوَاقِ، قَالَ: لَمَّا سَمَّتْ لَنَا رَجُلًا فَرِقْنَا (5) مِنْهَا أَنْ تَكُونَ شَيْطَانَةً، قَالَ: فَانْطَلَقْنَا سِرَاعًا، حَتَّى دَخَلْنَا الدَّيْرَ، فَإِذَا فِيهِ أَعظَمُ إِنْسَانٍ رَأَيْنَاهُ قَطُّ خَلْقًا،
(1) أرفَأْتَ السفينة: إذا قَرَّبتْها من الشاطئ، والموضع الذي تشد فيه: الْمَرْفَأُ. انظر النهاية (2/ 219).
(2)
أَقْرُبِ السفينة: بضم الراء هي سُفُن صغار تكون مع السفن الكبار البحرية كالجنائب لها، واحدها قارب، وجمعها: قوارب. انظر النهاية (4/ 31).
(3)
أَهْلَب: بفتح الهمزة وسكون الهاء وفتح اللام: غليظ الشعر كثيره. انظر النهاية (5/ 232) - صحيح مسلم بشرح النووي (18/ 65).
(4)
الدَيْر: بفتح الدال وسكون الياء، هو خان النصارى. انظر لسان العرب (4/ 457).
الْخَان: هو بمثابة مكان يجتمع فيه النصارى لأداء عبادتهم.
(5)
الْفَرَقُ: بالتحريك: الخوف والفزع: انظر النهاية (3/ 392).
وَأَشَدُّهُ وِثَاقًا، مَجْمُوعَةٌ يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ، مَا بَيْنَ رُكبَتَيْهِ إِلَى كَعْبَيْهِ، بِالْحَدِيدِ، قُلْنَا:
وَيْلَكَ! مَا أَنْتَ؟ .
قَالَ: قَدْ قَدِرْتُمْ عَلَى خَبَرِي، فَأَخْبِرُونِي مَا أَنْتُمْ؟ .
قَالُوا: نَحْنُ أُناسٌ مِنَ الْعَرَبِ، رَكبْنَا فِي سَفِينَةٍ بَحرِيةٍ، فَصَادَفَنَا الْبَحْرُ حَتَّى اغْتَلَمَ (1)، فَلَعِبَ بِنَا الْمَوْجُ شَهْرًا، ثُمَّ أَرْفَأَنَا إِلَى جَزِيرَتِكَ هَذِهِ، فَجَلَسْنَا فِي أَقْرُبِهَا، فَدَخَلْنَا الْجَزِيرَةَ، فَلَقِيَتْنَا دَابَّةٌ أَهْلَبُ كثِيرُ الشَّعْرِ، لَا يُدْرَى مَا قُبُلُهُ مِنْ دبرِهِ مِنْ كَثْرَةِ الشَّعْرِ، فَقُلْنَا: وَيْلَكِ! مَا أَنْتِ؟
فَقَالَتْ: أَنَا الْجَسَّاسَةُ، قُلْنَا: وَمَا الْجَسَّاسَةُ؟
قَالَتْ: اعمِدُوا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فِي الدَّيْرِ، فَإِنَّهُ إِلَى خَبَرِكُمْ بِالْأَشْوَاقِ، فَأَقْبَلْنَا إِلَيْكَ سِرَاعًا، وَفَزِعْنَا مِنْهَا، وَلَمْ نَأْمَنْ أَنْ تَكُونَ شَيْطَانَةً.
فَقَالَ: أَخْبِرُوني عَنْ نَخْلِ بَيْسَانَ (2)، قُلْنَا: عَنْ أَيِّ شَأْنِها تَسْتَخْبِرُ؟
قَالَ: أَسْالكُم عَنْ نَخْلِها، هَلْ يُثْمِر؟
قُلْنَا لَهُ: نَعَمْ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ لَا تُثْمِرَ، قَالَ: أَخْبِرُوني عَنْ بُحَيْرَةِ
(1) اغْتَلَمَ: أي هاجَ، واضطربت أمواجه. انظر النهاية (3/ 342).
(2)
بَيْسَان: بفتح الباء وسكون الياء وفتح السين، مدينة بالأردن. انظر معجم البلدان (2/ 414).
الطبرِيَّةِ (1)، قُلْنَا: عَنْ أَيِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ؟
قَالَ: هَلْ فِيهَا مَاءٌ؟
قُلْنَا: هِيَ كثِيرَةُ الْمَاءِ.
قَالَ: أَمَا إِنَّ مَاءَها يُوشِكُ أَنْ يَذْهَبَ، قَالَ: أَخْبِرُوني عَنْ عَيْنِ زُغَرَ (2)، قُلْنَا: عَنْ أَيِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ؟
قَالَ: هَلْ فِي الْعَيْنِ مَاءٌ؟ وَهلْ يَزْرَعُ أَهْلُها بِمَاءِ الْعَيْنِ؟
قُلْنَا لَهُ: نَعَمْ، هِيَ كثِيرَةُ الْمَاءِ، وَأَهْلُهَا يَزْرَعُونَ مِنْ مَائِهَا.
قَالَ: أَخْبِرُونِي عَنْ نَبِيِّ الْأُمِّيِّينَ مَا فَعَلَ؟
قُلْنَا: قَدْ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ وَنَزَلَ يَثْرِبَ.
قَالَ: أَقَاتَلَهُ الْعَرَبُ؟
قُلْنَا: نَعَمْ.
قَالَ: كَيْفَ صَنَعَ بِهِمْ؟
فَأَخْبَرْنَاهُ أنَّهُ قَدْ ظَهرَ عَلَى مَنْ يَلِيهِ مِنَ الْعَرَبِ وَأَطَاعُوهُ.
فَقَالَ: قَدْ كَانَ ذَلِكَ؟
(1) بُحيرة الطبرية: هي بحيرة في الأردن بينها وبين دمشق ثلاثة أيام، وكذلك بينها وبين بيت المقدس. انظر معجم البلدان (6/ 248).
(2)
قال الإمام النووي في شرح مسلم (18/ 66): عين زُغَر: بضم الزاي وفتح الغين، هي بلدة معروفة في الجانب القبلي من الشام.
قُلْنَا: نَعَمْ.
قَالَ: أَمَا إِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ لَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ، وَإِنِّي مُخْبِرُكُم عَنِّي، إِنِّي أنَّا الْمَسِيحُ (1)، وَإِنِّي أُوشِكُ أَنْ يُؤْذَنَ لِي فِي الْخُرُوج، فَأَخْرُجُ فَأَسِيرُ فِي الْأَرْضِ فَلَا أَدَعُ قريَةً إِلَّا هبَطْتُها فِي أَربَعِينَ لَيْلَةً، غَيْرَ مَكَّةَ وَطَيْبَةَ، فَهُمَا مُحَرَّمَتَانِ عَلَيَّ، كِلْتَاهُمَا، كُلَّمَا أَردتُ أَنْ أَدخُلَ وَاحِدَةً، أَوْ وَاحِدًا مِنْهُمَا، اسْتَقْبَلَنِي مَلَكٌ بِيَدِهِ السَّيْفُ صَلْتًا (2)، يَصُدُّنِي عَنْهَا، وَإِنَّ عَلَى كُلِّ نَقْبٍ (3) مِنْهَا مَلَائِكَةً يَحْرُسُونَهَا.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: وَطَعَنَ بِمِخْصَرَتِهِ (4) فِي الْمِنْبَرِ: "هَذِهِ طَيْبَةٌ، هَذِهِ طَيْبَةٌ، هَذِهِ طَيْبَةٌ" يَعنِي الْمَدِينَةَ.
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ طَيْبَةً الْمَدِينَةُ، إِنَّ اللَّه حَرَّمَ حَرَمِي عَلَى الدَّجَّالِ أَنْ يَدخُلها"، ثُمَّ حَلَفَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"وَالذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، مَا لَهَا طَرِيقٌ ضَيِّقٌ، وَلَا وَاسعٌ، فِي سَهْلٍ، وَلَا فِي جَبَلٍ، إِلَّا عَلَيْهِ مَلَكٌ شَاهِرٌ بِالسَّيْفِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، مَا يَسْتَطِيعُ الدَّجَّالُ أَنْ يَدْخُلَها عَلَى أَهْلِهَا".
(1) في رواية أخرى في مسند الإمام أحمد: أنا الدجال.
(2)
صَلْتا: بفتح الصاد أي مسلولًا. انظر صحيح مسلم بشرح النووي (18/ 66) - النهاية (3/ 42).
(3)
النَّقْبُ: الطريق بين الجبلين. انظر النهاية (5/ 89).
(4)
الْمِخْصَرَة: بكسر الميم، هو ما يختصره الإنسان بيده فيمسكه من عصا، أو عكازة، أو قضيب، وقد يتكئ عليها. انظر النهاية (2/ 35).