الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
1 - وَفْدُ ثَقِيفٍ
كَانَ قُدُومُهُم فِي رَمَضَانَ سَنَةَ تِسْعٍ لِلْهِجْرَةِ، بَعْدَ عَوْدَةِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم مِنْ تَبُوكَ (1)، وكَانَ من حَدِيثِهِمْ أَنَّهُ لَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْهُمْ مِنْ غَزْوَةِ الطَّائِفِ اتَّبَعَ أَثَرَهُ سَيِّدُ ثَقِيفٍ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ (2) حَتَّى أَدرَكَهُ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَأَسْلَمَ رضي الله عنه، وَذَلِكَ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ تِسْعٍ لِلْهِجْرَةِ، ثُمَّ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَرجعَ إِلَى قَوْمِهِ لِيَدْعُوَهُم إِلَى الْإِسْلَامِ، فَقَالَ له رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَقْتُلُوكَ"، لِعِلْمِهِ صلى الله عليه وسلم بِامْتِنَاعِ ثَقِيفٍ، فَقَالَ عُرْوَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أنَّا أَحَبُّ إِلَيْهِم مِنْ أَبْكَارِهم (3)، أَوْ مِنْ أَبْصَارِهم، وَلَوْ وَجَدُوني نَائِمًا مَا أَيْقَظُونِي.
(1) انظر سيرة ابن هشام (4/ 191).
(2)
عروة بن مسعود الثقفي رضي الله عنه هو الذي عناه المشركون في قوله تَعَالَى في سورة الزخرف آية (31){وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} .
قال ابن عباس، وعكرمة، ومحمد بن كعب القرظي، وقتادة، والسدي، وابن زيد: إنهم أرادو بذلك: الوليد بن المغيرة في مكة، وعروة بن مسعود الثقفي في الطائف. انظر تفسير ابن كثير (7/ 225).
وكان عروة بن مسعود رضي الله عنه من أشد الناس شبهًا بعيسى عليه السلام، فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه - رقم الحديث (167) عن جابر رضي الله عنه قال: قال رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "عُرِضَ عليّ الأنبياء. . . ورأيت عيسى ابن مريم عليه السلام، فإذا أقرب من رأيت به شبهًا عروة بن مسعود".
(3)
أَبْكَارُهم: أي أَحْدَاثُهُمْ، وَبِكْرُ الرَّجُلِ بكسر الباء: أَوَّلُ وَلَدِهِ. انظر النهاية (1/ 147).
فَخَرَجَ عُرْوَةُ رضي الله عنه يَدعُو قَوْمَهُ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُمْ يُطِيعُونَهُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ سَيِّدًا مُحَبَّبًا مُطَاعًا فِيهِمْ، فَلَمَّا أَشْرَفَ لَهُمْ عَلَى عُلِّيَّةٍ (1) لَهُ، وَقَدْ دَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَأَظْهَرَ لَهُمْ دِينَهُ رَمَوْهُ بِالنَّبْلِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ فَأَصَابَهُ سَهْمٌ فَقتَلَهُ (2).
وَأَقَامَتْ ثَقِيفٌ بَعْدَ قتلِ عُرْوَةَ أَشْهُرًا، ثُمَّ إِنَّهُمُ ائْتَمَرُوا بَيْنَهُمْ، وَرَأَوْا أَنَّهُمْ لَا طَاقَةَ لَهُمْ بِحَربِ مَنْ حَوْلَهُم مِنَ الْعَرَبِ، وَقَدْ بَايَعُوا وَأَسْلَمُوا، فَأَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ أَنْ يرسِلُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَجُلًا مِنْهُمْ، فَأَرسَلُوا عَبْدَ يَالِيلَ، وَمَعَهُ خَمسَةٌ مِنْ أَشْرَافِهِم فِيهِمْ: عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ رضي الله عنه، وَكَانَ أَصغَرَهُم، فَخَرَجَ بِهِم عَبْدُ يَالِيلُ، وَهُوَ رَئِيسُ الْقَوْمِ، وَصَاحِبُ أمرهم، فَلَمَّا دَنَوْا مِنَ الْمَدِينَةِ وَجَدُوا الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعبَةَ رضي الله عنه يرعَى رِكَابَ (3) أَصحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَكَانَتْ رَعْيَتُها نُوبًا (4) عَلَى أَصْحَابِهِ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا رَآهُمُ الْمُغِيرَةَ رضي الله عنه ترَكَ الرِّكَابَ، وَذَهَبَ يَشْتَدُّ لِيُبَشِّرَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِقُدُومِهِم عَلَيْهِ، فَلَقِيَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رضي الله عنه، قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، فَأَخْبَرَهُ عَنْ قُدُومِ ثَقِيفٍ يُرِيدُونَ الْإِسْلَامَ إِنْ شَرَطَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم شُرُوطًا، وَيَكْتُبُوا لَهُمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كِتَابًا، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه: أَقْسَمتُ عَلَيْكَ بِاللَّهِ لَا تَسْبِقْنِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، حَتَّى أَكُونَ أَنَا أُحَدِّثُهُ،
(1) عُلِّيَّة: بضم العين: الْغُرْفَةُ. انظر النهاية (3/ 267).
(2)
أخرج ذلك الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب ذكر عروة بن مسعود رضي الله عنه رقم الحديث (6638) - وإسناده ضعيف - وأخرجه ابن إسحاق في السيرة (4/ 191) بدون سند.
(3)
الرِّكَابُ: هي الرَّوَاحِلُ مِنَ الْإِبِلِ. انظر النهاية (2/ 233).
(4)
نَاوَبَهُ في الشيءَ والأَمرِ: أي سَاهمَهُ فِيهِ وتَدَاوَلَهُ مَعَهُ. انظر المعجم الوسيط (2/ 961).
فَفَعَلَ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرَهُ بِقُدُومِ وَفْدِ ثَقِيفٍ عَلَيْهِ، فَسُرَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِمَقْدِمِهِمْ.
ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْهِمُ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعبَةَ رضي الله عنه، فَعَلَّمَهم كَيْفَ يُحَيُّونَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم حَيَّوْهُ بِتَحِيَّةِ الْجَاهِلِيَّةِ، ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِإِنْزَالِهِم فِي الْمَسْجِدِ لِيَكُونَ أَرَقَّ لِقُلُوبِهِمْ، فَضَرَبَ لَهُمْ قُبَّةً فِي نَاحِيَتهِ حَيْثُ يَسْمَعُونَ الْقرآنَ.
وَمَكَثُوا يَخْتَلِفُونَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وهُوَ يَدْعُوهُم إِلَى الْإِسْلَامِ، حَتَّى سَأَلَ رَئِيْسُهُمْ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَن يَكْتُبَ لَهُمْ كِتَابا: يَأْذَنُ لَهُمْ فِيهِ بِالزِّنَى، وَالرِّبَا، وَشُرْبِ الْخَمرِ، وَأَنْ يُعفِيَهُمْ مِنَ الصَّلَاةِ، فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَقْبَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ (1).
رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَأَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ رضي الله عنه قَالَ: أَنَّ وَفْدَ ثَقِيفٍ لَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْزَلَهُمُ الْمَسْجِدَ، لِيَكُونَ أَرَقَّ لِقُلُوبِهم، فَاشْتَرَطُوا عَلَيْهِ أَنْ لَا يُحْشَرُوا (2)، وَلَا يُعْشَرُوا (3)، وَلَا يُجَبُّوا (4)، وَلَا يُسْتَعمَلُ عَلَيْهِمْ غَيْرُهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:
(1) انظر سيرة ابن هشام (4/ 192 - 193) - الطبقات الكبرى لابن سعد (1/ 151).
(2)
لا يُحْشَرُوا: بضم الياء أي لا يُنْدَبُونَ إلى المغازي، ولا تُضْرَبُ عليهم البعوث. انظر النهاية (1/ 374).
(3)
لا يُعْشَرُوا: أي لا يُؤخَذُ عُشْرُ أموالهم، وقيل: أرادوا به الصدقة الواجبة، وإنما فسح لهم رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في تركها، لأنها لم تكن واجبة يومئذ عليهم، إنما تجب بتمام الحول. انظر النهاية (3/ 216).
(4)
أصل التَّجْبِيَةِ: أن يقوم الإنسان قيام الراكع، وقيل: هو أن يضع يديه على ركبتيه وهو=
"إِنَّ لَكُمْ أَنْ لَا تُحْشَرُوا، وَلَا تُعْشَرُوا، وَلَا يُسْتَعمَلُ عَلَيْكُمْ غَيْرُكُمْ، وَلَا خَيْرَ فِي دِينٍ لَا رُكُوعَ (1) فِيهِ"(2).
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنبَّهٍ قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرًا رضي الله عنه عَنْ شَأْنِ ثَقِيفٍ إِذْ بَايَعَتْ؟
قَالَ: اشْتَرَطَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ لَا صَدَقَةَ عَلَيْهَا وَلَا جِهَادَ، وَأَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ ذَلِكَ يَقُولُ:"سَيَتَصَدَّقُونَ وَيُجَاهِدُونَ إِذَا أَسْلَمُوا"(3).
ثُمَّ إِنَّ وَفْدَ ثَقِيفٍ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا: نَعَمْ، لَكَ مَا سَأَلْتَ، وَأَسْلَمُوا، وَاشْتَرَطُوا أَنْ يَتَوَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم هَدْمَ اللَّاتِ، وَأَنْ لَا يَكْسِرُوا أَوْثَانَهُم بِأَيْدِيهِمْ، فَقَبِلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْهُمْ ذَلِكَ.
فَلَمَّا أَسْلَمُوا صَامُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا بَقِيَ مِنْ رَمَضَانَ، وَكَانَ بِلَالٌ
= قائم، وقيل: هو السجود، والمراد بقولهم: لا يُجَبّوا أنهم لا يصلون، ولفظ الحديث يدل على الركوع؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في جوابهم:"ولا خير في دين لا ركوع فيه"، فسمى الصلاة ركوعًا، لأنه بعضها، وسُئِل جابر رضي الله عنه عن اشتراط ثقيف أن لا صدقة عليها ولا جهاد، فقال رضي الله عنه: عَلِمَ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أنهم سَيَصَّدقون ويجاهدون إذا أسلموا، ولم يُرخص لهم في ترك الصلاة، لأن وقتها حاضر متكرر، بخلاف وقت الزكاة والجهاد. انظر النهاية (1/ 231).
(1)
في رواية ابن إسحاق في السيرة (4/ 194): صلاة.
(2)
أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (17913) - وأبو داود في سننه - كتاب الخراج والإمارة - باب ما جاء في خبر الطائف - رقم الحديث (3026) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (6175).
(3)
أخرجه أبو داود في سننه - كتاب الخراج والإمارة - باب ما جاء في خبر الطائف - رقم الحديث (3025) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (6176).