الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
هَلْ أَوْصَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَبْلَ وَفَاتِهِ لأَحَدٍ بالْخِلَافَةِ
أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: ذَكَرُوا عِنْدَ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ عَلِيًّا رضي الله عنه كَانَ وَصِيًّا، فَقَالَتْ: مَتَى أَوصَى إِلَيْهِ؟ وَقَدْ كُنْتُ مُسْنِدَتَهُ صلى الله عليه وسلم إلى صَدْرِي، أَوْ قَالَتْ: حِجْرِي، فَدَعَا بِالطَّسْتِ، فَلَقَدِ انْخَنَثَ في حِجْرِي فَمَا شَعَرْتُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ، فَمَتَى أَوْصَى إِلَيْهِ؟ (1).
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، وَأَبُو دَاوُدَ في سُنَنِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَبْدًا مَأْمُورًا، بَلَّغَ وَاللَّهِ مَا أُرْسِلَ بِهِ، وَمَا اخْتَصَّنَا دُونَ النَّاسِ بِشَيْءٍ، إِلَّا ثَلَاثًا: أَمَرَنَا أَنْ نُسْبغَ الْوُضُوءَ، وَأَنْ لَا نَأْكُلَ الصَّدَقَةَ، وَأَنْ لَا نُنْزِيَ (2) الْحِمَارَ عَلَى الفرَسِ (3).
وَرَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ رضي الله عنه قَالَ: سَأَلْتُ عَلِيًّا
(1) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الوصايا - باب الوصايا - رقم الحديث (2741) - ومسلم في صحيحه - كتاب الوصية - باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي به - رقم الحديث (1636) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (24039).
(2)
نُنزي الحمار: أي نحملها عليها للنسل. انظر النهاية (5/ 37).
(3)
أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (1977) - وأبو داود في سننه - كتاب الصلاة - باب قدر القراءة في صلاة الظهر والعصر - رقم الحديث (808) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول (2449)(5200).
-رضي الله عنه، هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم شَيْءٌ سِوَى الْقُرْآنِ، فَقَالَ رضي الله عنه: لَا، وَالذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ (1)، وَبَرَأَ (2) النَّسْمَةَ (3) مَا عِنْدَنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم شَيْءٌ سِوَى الْقُرْآنِ، إِلَّا أَنْ يُؤْتِيَ اللَّهُ عَبْدًا فَهْمًا في القُرْآنِ، وَمَا في هَذِهِ الصَّحِيفَةِ.
قَالَ أَبُو جُحَيْفَةَ رضي الله عنه: وَمَا في هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟
قَالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه: الْعَقْلُ (4)، وَفكاكُ الْأَسِيرِ (5)، وَأَنْ لَا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ (6).
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، وَالطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ، قَالَ: انْطَلَقْتُ أنَا وَالْأَشْتَرُ إلى عَلِيٍّ رضي الله عنه، فَقُلْنَا: هَلْ عَهِدَ إِلَيْكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَهْدًا لَمْ يَعْهَدْهُ إلى النَّاسِ؟ .
قَالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه: لَا، إِلَّا مَا في كِتَابِي هَذَا، فَأَخْرَج كِتَابًا مِنْ قِرَابِ (7)
(1) الفلق: الشق، والحبة: هي كالحنطة والشعير، وفلقها: شقها للإنبات. انظر النهاية (3/ 423) - جامع الأصول (8/ 29).
(2)
بَرَأَ: خلق. انظر النهاية (1/ 111).
(3)
النَّسْمَةُ: بفتح النون: النفس والروح، وكل دابة فيها روح فهي نسمة. انظر النهاية (5/ 43).
(4)
العقل: الدية. انظر النهاية (3/ 252).
(5)
فكَاكُ الأسير: أي إطلاقه. انظر جامع الأصول (8/ 29).
(6)
أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب العلم - باب كتابة العلم - رقم الحديث (111) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (5765).
(7)
القِراب: غمد السيف. انظر لسان العرب (11/ 86).
سَيْفِهِ، فَإِذَا فِيهِ:"الْمُؤْمنُونَ تَكَافَؤُ (1) دِمَاؤُهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، أَلَا لَا يُقْتَلُ مُؤْمنٌ بِكَافِرٍ، وَلَا ذُو عَهْدٍ في عَهْدِهِ، وَمَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا (2)، أَوْ آوى مُحْدِثًا (3)، فَعَلَيْهِ لَعْنهُ اللَّهِ، وَالْمَلَائِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ"(4).
وَرَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: سُئِلَ عَلِيٌّ رضي الله عنه: أَخَصَّكُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِشَيْءٍ؟
فَقَالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه: مَا خَصَّنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِشَيْءٍ لَمْ يَعُمَّ بِهِ النَّاسَ كَافَّةً، إِلَّا مَا كَانَ في قِرَابِ سَيْفِي هَذَا، قَالَ: فَأَخْرَجَ صَحِيفَةً مَكْتُوبٌ فِيهَا: "لَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ سَرَقَ مَنَارَ (5) الْأَرْضِ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَهُ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ آوى مُحْدِثًا"(6).
وَرَوَى الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: خَطَبَنَا عَلِيٌّ رضي الله عنه، فَقَالَ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ عِنْدَنَا شَيْئًا نَقْرَؤُهُ إِلَّا كِتَابَ اللَّهِ، وَهَذِهِ
(1) التَّكَافؤُ: التساوي. انظر جامع الأصول (8/ 29).
(2)
الحدث: الأمر الحادث المنكر الذي ليس بمعتاد ولا معروف في السُّنة. انظر النهاية (1/ 338).
(3)
الْمُحْدِثُ: بكسر الدال: هو الفاعل. انظر النهاية (1/ 338).
(4)
أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (993) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (5889).
(5)
الْمَنَارُ: جمع منارة، وهي العلامة تُجعل بين الشيئين من الحدود. انظر النهاية (5/ 111).
(6)
أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الأضاحي - باب تحريم الذبح لغير اللَّه تَعَالَى - رقم الحديث (1978)(45) - والإمام أحمد في المسند - رقم الحديث (855).
الصَّحِيفَةَ، فَقَدْ كَذَبَ، قَالَ: وَفيهَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "الْمَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عيرٍ (1) إلى ثَورٍ (2)، فمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا أَوْ آوى مُحْدثًا، فعلَيْه لَعْنهُ اللَّه وَالْملَائكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْتلُ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا (3) وَلَا عَدْلًا (4)، وَذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ، وَمَنِ ادَّعَى إلى غيرِ أَبِيهِ، أَوْ انْتَمَى إِلَى غير موالِيهِ، فَعَلَيْهِ لَعْنةُ اللَّهِ وَالْمَلَائكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْتلُ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا"(5).
قَالَ الْحَافِظُ في الْفَتْحِ: وَالْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الْأَخْبَارِ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه أَنَّ الصَّحِيفَةَ الْمَذْكُورَةَ كَانَتْ مُشْتَمِلَةً عَلَى مَجْمُوعِ مَا ذُكِرَ، فنَقَلَ كُلُّ رَاوٍ بَعضَهَا (6).
(1) عَيْر: بفتح العين وسكون الياء: جبل معروف بالمدينة. انظر النهاية (3/ 296) - وجامع الأصول (8/ 28).
(2)
ثَوْر: هو أيضًا جبل بالمدينة، وليس هو جبل ثور المعروف بمكة، والذي فيه الغار الذي اختبأ فيه رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبو بكر رضي الله عنه يوم الهجرة. وانظر فتح الباري (4/ 56).
(3)
الصَّرْفُ: التوبة. انظر النهاية (3/ 173).
(4)
الْعَدْلُ: الفِدْية. انظر النهاية (3/ 173).
(5)
أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب فضائل المدينة - باب حرم المدينة - رقم الحديث (1870) - وأخرجه في كتاب الجزية والموادعة - باب ذمة المسلمين وجوارهم واحدة - رقم الحديث (3172) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب فضل المدينة، ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم فيها بالبركة - رقم الحديث (1370) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (615).
(6)
انظر فتح الباري (4/ 570).
وَقَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ تَصْرِيحٌ مِنْ عَلِيٍّ (1) رضي الله عنه بِإِبْطَالِ مَا تَزعُمُهُ الرَّافِضَةُ وَالشِّيعَةُ، وَيَخْتَرِعُونَهُ مِنْ قَوْلهِمْ إِنَّ عَلِيًّا رضي الله عنه أَوْصَى إِلَيْهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بأُمُورٍ كَثِيرَةٍ مِنْ أَسْرَارِ الْعِلْمِ، وَقَوَاعِدِ الدِّينِ، وَكُنُوزِ الشَّرِيعَةِ، وَأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم خَصَّ أَهْلَ الْبَيْتِ بِمَا لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ غَيْرُهُمْ، وَهَذِهِ دَعَاوَى بَاطِلَةٌ وَاخْتِرَاعَاتٌ فَاسِدَةٌ لَا أَصْلَ لَهَا، وَيَكْفِي في إِبْطَالِهَا قَوْلُ عَلِيُّ رضي الله عنه هَذَا (2).
* * *
(1) وابن عباس أيضًا رضي الله عنهما.
(2)
انظر صحيح مسلم بشرح النووي (9/ 122).