الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الأَحْدَاثُ بَيْنَ غَزْوَةِ تَبُوكَ وَحَجَّةِ الوَدَاعِ
عَدَدُ الْغَزَوَاتِ وَالسَّرَايَا وَنَظْرَة عَامَّةٌ عَلَيْهَا
انْتَهَتِ الْغَزَوَاتُ النَّبَوِيَّةُ بِغَزْوَةِ تَبُوكَ وَالتِي بَلَغَ عَدَدُهَا سَبْعًا وَعِشْرِينَ غَزْوَةً، قَاتَلَ فِيهَا صلى الله عليه وسلم فِي تِسْعِ غَزَوَاتٍ: بَدْرٍ، وَأُحُدٍ، وَالْخَنْدَقِ، وَقُرَيْظَةَ، وَبَنِي الْمُصْطَلِقِ، وَخَيبرَ، وَالفتْحِ، وَحُنَيْنٍ، وَالطَّائِفِ.
وَبَلَغَتْ بُعُوثُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَسَرَايَاهُ ثَمَانِيةً وَثَلَاثِينَ بَيْنَ بَعْثٍ وَسَرِيَّةٍ، وَقِيلَ: سَبْعًا وَأَرْبَعِينَ، أَوْ ثَمَانِيًا وَأَرْبَعِينَ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:"وَالذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، مَا قَعَدْتُ خَلْفَ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَبَدًا، وَلَكِنِّي لَا أَجِدُ سَعَةً فَأَحْمِلُهُمْ، وَلَا يَجدُونَ سَعَةً فَيَتَّبِعُوني، وَيَشُقُّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَخَلفوا عَنِّي، وَالذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ أَحْيَا، ثُمَّ أُقتَلُ، ثُمَّ أَحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ"(1).
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا بَعَثَ بَعْثًا بَعَثَهُ أَوَّلَ النَّهَارِ (2)، وَيَقُولُ لَهُمْ:
(1) أخرج هذا الحديث البخاري في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب تمني الشهادة - رقم الحديث (2797) - وأخرجه في كتاب التمني - باب ما جاء في التمني ومن تمنى الشهادة - رقم الحديث (7226) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الإمارة - باب فضل الجهاد والخروج في سبيل اللَّه - رقم الحديث (1876) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (7157).
(2)
روى الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (15438) - والترمذي في جامعه - رقم =
"تَأَلَّفُوا النَّاسَ، وَلَا تُغِيرُوا عَلَيْهِمْ حَتَّى تَدْعُوهُمْ (1)، فَمَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ وَلَا مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ (2)، إِلَّا تَأْتُونِي بِهِمْ مُسْلِمِينَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ تَأْتْوني بِنِسَائِهِمْ، وَأَوْلَادِهِمْ وَتَقْتُلُوا رِجَالَهُمْ"(3).
وَإِذَا نَظَرْنَا إِلَى غَزَوَاتِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَبُعُوثِهِ وَسَرَايَاهُ، لَا يُمْكِنُ لَنَا وَلَا لِأَحَدٍ مِمَّنْ يَنْظُرُ فِي أَوْضَاعِ الْحُرُوبِ وَأثارِهَا وَخَلْفِيَّاتِهَا. . . لَا يُمْكِنُ لَنَا إِلَّا أَنْ نَقُولَ: إِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ أَكْبَرَ قَائِدٍ عَسْكَرِيٍّ فِي الدُّنْيَا، وَأَسَدَّهُمْ (4) وَأَعْمَقَهُمْ فِرَاسَةً وَتَيَقُّظًا، إِنَّهُ صَاحِبُ عَبْقَرِيَّةٍ فَذَّةٍ فِي هَذَا الْوَصْفِ، كَمَا كَانَ سَيِّدَ الرُّسْلِ وَأَعْظَمَهُمْ فِي صِفَةِ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ، فَلَمْ يَخُضْ مَعْرَكَةً مِنَ الْمَعَارِكِ إِلَّا فِي الظَّرْفِ، وَمِنَ الْجِهَةِ اللَّذَيْنِ يَقْتَضِيهِمَا الْحَزْمُ وَالشَّجَاعَةُ وَالتَّدْبِيرُ، وَلذَلِكَ لَمْ يَفْشَلْ فِي أَيِّ مَعْرَكَةٍ مِنَ الْمَعَارِكِ التِي خَاضَهَا لِغَلَطِهِ فِي الْحِكْمَةِ، وَمَا إِلَيْهَا مِنْ تَعْبِئَةِ الْجَيْشِ، وَتَعْيِينِهِ عَلَى الْمَرَاكِزِ الِاسْتِرَاتِيجِيَّةِ، وَاحْتِلَالِ أَفْضَلِ الْمَوَاضِعِ وَأَوْثَقِهَا لِلْمُجَابَهَةِ، وَاخْتِيَارِ أَفْضَلِ خُطَّةٍ لِإِدَارَةِ دَفَّةِ الْقِتَالِ، بَلْ أَثْبَتَ فِي كُلِّ ذَلِكَ أَنَّ له نَوْعًا آخَرَ مِنَ الْقِيَادَةِ غَيْرُ مَا عَرَفتهَا، وَتَعْرِف الدُّنْيَا فِي الْقُوَّادِ، وَلَمْ يَقَعْ مَا
= الحديث (1255) عن صخر الغامدي رضي الله عنه قال: كان رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إذا بعث سرية أو جيشًا، بعثهم أوَّل النهار. وقال الترمذي: حديث حسن.
(1)
روى الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح على شرط مسلم - رقم الحديث (2105) - عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما قاتل رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قومًا قط إِلَّا دعاهم.
(2)
يريد رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بقوله: "أهل بيت مدر ووبر": أي أهل البوادي والمدن والقرى، وهو من وبئر الإبل، لأنَّ بيوتهم يتخذونها منه. انظر النهاية (5/ 127).
(3)
أورد هذا الحديث الصالحي في سيرته الشامية (6/ 7)، وعزاه إلى مُسَدَّد، والحارث بن أبي أسامة مرسلًا.
(4)
السَّدِيدُ: الصَّوَابُ من القول، والتَّسْدِيدُ: التَّوْفِيقُ. انظر لسان العرب (6/ 212).
وَقَعَ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ، وَغَزْوَةِ حُنَيْنٍ إِلَّا مِنْ بَعْضِ الضَّعفِ فِي أَفْرَادِ الْجَيْشِ -كَمَا فِي حُنَيْنٍ- أَوْ مِنْ جِهةِ مَعصِيَتهم أَوَامِرَهُ، وَتَركِهِمُ التَّقَيُّدَ وَالِالْتِزَامَ بِالْحِكْمَةِ وَالْخُطَّةِ اللَّتَيْنِ كَانَ أَوْجَبَهُمَا عَلَيْهِمْ مِنْ حَيْثُ الْوِجْهةُ الْعَسْكَرِيَّةُ -كَمَا فِي أُحُدٍ-.
وَقَدْ تَجَلَّتْ عَبْقَرِّيتهُ صلى الله عليه وسلم فِي هَاتَيْنِ الْغَزْوَتَيْنِ عِنْدَ هَزِيمَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَقَدْ ثَبَتَ مُجَابِهًا لِلْعَدُوِّ، وَاسْتَطَاعَ بِحِكْمَتِهِ الفذَّةِ أَنْ يُخَيّبَهُم فِي أَهْدَافِهِم -كَمَا فَعَلَ فِي أُحُدٍ- أَوْ يُغَيِّر مَجْرَى الْحَرْبِ حِتَّى ولبدِّلَ الْهزِيمَةَ انْتِصَارًا -كَمَا فِي حُنَيْنٍ- مَعَ أَنَّ مِثْلَ هَذَا التَّطَوُّرِ الْخَطِيرِ، وَمِثْلَ هَذِهِ الْهزِيمَةِ السَّاحِقَةِ تَأْخُذَانِ بِمَشَاعِرِ الْقُوَّادِ، وَتَتْرُكَانِ عَلَى أَعصَابِهِم أَسْوَأَ الأَثَرِ، لَا يَبْقَى لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا همُّ النَّجَاةِ بِأَنْفُسِهِمْ.
هَذِهِ مِنْ نَاحِيَةِ الْقِيَادَةِ الْعَسْكَرِيَّةِ الْخَالِصَةِ، أَمَّا مِنْ نَوَاحٍ أُخْرَى، فَإِنَّهُ صلى الله عليه وسلم اسْتَطَاعَ بهذِهِ الْغَزَوَاتِ وَالسَّرَايَا فَرضَ الْأَمنِ وَبَسْطَ السَّلَامِ، وإِطْفَاءَ نَارِ الْفِتْنَةِ، وَكَسْرَ شَوْكَةِ الْأَعدَاءِ فِي صِرَاعِ الْإِسْلَامِ وَالْوَثَنِيَّةِ، وَإِلْجَاءَهُم إِلَى الْمُصَالَحَةِ، وَتَخْلِيَةِ السَّبِيلِ لِنَشْرِ الدَّعوَةِ، وَقَدْ أُرِيقَ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْغَزَوَاتِ وَالسَّرَايَا أَقَلُّ دَمٍ عُرِفَ فِي تَارِيخِ الْحُرُوبِ وَالْغَزَوَاتِ، فَلَمْ يَتَجَاوَزِ الْقَتْلَى كُلُّها (1018) قَتِيلًا مِنَ الفَرِيقَيْنِ.
كَمَا اسْتَطَاعَ رَسُولُ اللَّهِ هو أَنْ يَتَعَرَّفَ مِنْ خِلَالِ هَذِهِ الْغَزَوَاتِ عَلَى الْمُخْلِصِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَمِمَّنْ يُبْطِنُ النِّفَاقَ، وَيُضْمِرُ (1) نَوَازِعَ الْغَدْرِ وَالْخِيَانَةِ،
(1) أَضْمَرْتُ الشيءَ: أَخْفَيْتُهُ. انظر لسان العرب (8/ 85).
وَقَدْ أَنْشَأَ طَائِفَةً كَبِيرَةً مِنَ الْقُوَّادِ، الذِينَ لَاقُوا بَعدَهُ الْفُرسَ وَالرُّومَانَ فِي مَيَادِينِ الْعِرَاقِ وَالشَّامِ، فَفَاقُوهُمْ فِي تَخْطِيطِ الْحُرُوبِ وَإِدَارَةِ دَفَّةِ الْقِتَالِ، حَتَّى اسْتَطَاعُوا إِجْلَاءَهُم مِنْ أَرضِهم وَدِيَارِهم وَأَموَالِهِمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ، وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ.
وَاسْتَطَاعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِفَضْلِ هَذِهِ الْغَزَوَاتِ، أَنْ يُوَفِّرَ السُّكْنَى وَالْأَرضَ وَالْحِرَفَ وَالْمَشَاغِلَ لِلْمُسْلِمِينَ، حَتَّى قَضَى عَلَى كَثِيرٍ مِنْ مَشَاكِلِ اللَّاجِئِينَ الذِينَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَالٌ وَلَا دَارٌ، وَهَيَّأَ السِّلَاحَ وَالْكُرَاعَ (1) وَالْعُدَّةَ وَالنَّفَقَاتِ، حَصَلَ عَلَى كُلِّ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقُومَ بِمِثْقَالِ ذَرَّةٍ مِنَ الظُّلْمِ وَالطُّغْيَانِ وَالْبَغْي وَالْعُدوَانِ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ.
وَقَدْ غَيَّرَ رَسُولُ اللَّهِ بِهَا أَغْرَاضَ الْحُرُوبِ وَأَهْدَافَها التِي كَانَتْ تَضْطَرِمُ (2) نَارُ الْحَربِ لِأَجْلِها فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَيْنَمَا كَانَتِ الْحَربُ عِبَارَةً عَنِ النَّهْبِ، وَالسَّلْبِ، وَالْقَتْلِ، وَالْإِغَارَةِ، وَالظُّلْمِ، وَالْبَغْي، وَالْعُدوَانِ، وَأَخْذِ الثَّأْرِ، وَالفوْزِ بِالْوَتْرِ (3)، وَكَبْتِ (4) الضَّعِيفِ، وَتَخْرِيبِ الْعِمرَانِ، وَتَدمِيرِ الْبُنْيَانِ، وَهَتْكِ حُرُمَاتِ النِّسَاءَ، وَالقَسْوَةِ بِالضِّعَافِ وَالْوَلَائِدِ وَالصِّبْيَانِ، وَإِهْلَاكِ الْحَرْثِ وَالنَّسْلِ، وَالْعَبَثِ
(1) الكُرَاعُ: بضم الكاف: اسمٌ لجميعِ الْخَيْلِ. انظر النهاية (4/ 143).
(2)
اضْطَرَمَتْ: اشْتَعَلَتْ والْتَهبَتْ. انظر لسان العرب (8/ 56).
(3)
الْوَتْرُ: الْجِنَايَةُ التي يَجْنيها الرجل على غيره من قتل أو نهب أو سبي. انظر لسان العرب (15/ 205).
(4)
الْكَبْتُ: كَسْرُ الرَّجُلِ وإِخْزَاؤُهُ. انظر لسان العرب (12/ 10).
وَالفسَادِ فِي الْأَرْضِ -فِي الْجَاهِلِيَّةِ- إِذْ صَارَتْ هَذِهِ الْحَربُ -فِي الْإِسْلَامِ- جِهَادًا فِي تَحْقِيقِ أَهْدَافٍ نَبِيلَةٍ، وَأَغْرَاضٍ سَامِيَةٍ وَغَايَاتٍ مَحمُودةٍ، يَعْتَزُّ بِهَا الْمُجْتَمَعُ الْإِنْسَانِيُّ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ، فَقَدْ صَارَتِ الْحَربُ جِهادًا فِي تَخْلِيصِ الْإِنْسَانِ مِنْ نِظَامِ القَهْرِ وَالْعُدْوَانِ، إِلَى نِظَامِ الْعَدَالَةِ وَالنَّصَفِ، مِنْ نِظَامٍ يَأْكُلُ فِيهِ القَوِيُّ الضَّعِيفَ، إِلَى نِظَامٍ يَصِيرُ فِيهِ الْقوِيُّ ضَعِيفًا حَتَّى يُؤْخَذَ مِنْهُ، وَصَارَتْ جِهَادًا فِي تَخْلِيصِ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ {الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا} (1)، وَصَارَتْ جِهَادًا فِي تَطْهِيرِ أَرضِ اللَّهِ مِنَ الْغدرِ وَالْخِيَانَةِ وَالْإِثْمِ وَالْعُدوَانِ إِلَى بَسْطِ الْأَمنِ وَالسَّلَامَةِ وَالرَّأْفَةِ وَالرَّحمَةِ، وَمُرَاعَاةِ الْحُقُوقِ وَالْمُرُوءَةِ.
كَمَا شَرَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِلْحُرُوبِ قَوَاعِدَ شَرِيفَةً أَلْزَمَ التَّقَيُّدَ بِهَا عَلَى جُنُودِهِ وَقُوَّادِهِ، وَلَمْ يَسْمَح لَهُمْ بِالْخُرُوجِ عَنْهَا بِحَالٍ.
رَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ بُرَيْدةَ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَةٍ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا، ثُمَّ قَالَ: "اغْزُوا بِسْمِ اللَّهِ، فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ، اغْزُوا وَلَا تَغُلُّوا (2)، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تُمَثِّلُوا (3)، وَلَا تَقْتُلُوا وَليدًا، وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ أَوْ خِلَالٍ فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ
(1) سورة النساء آية (75).
(2)
الْغُلُولُ: هو الْخِيَانَةُ في الْمَغْنَمِ، والسرِقَةُ من الغنيمة قبل القسمة. انظر النهاية (3/ 341).
(3)
مُثّل بالْقَتِيلِ: إذا قَطَعَ أَنْفَهُ، أو أُذنهُ، أو مَذَاكِيرَهُ، أو شيئًا من أطرافه. انظر النهاية (4/ 251).
فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهاجِرِينَ، وَأَخْبِرهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ، فَلَهُم مَا لِلْمُهاجِرِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهاجِرِينَ، فَإِنْ أبوا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأعرَابِ الْمُسْلِمِينَ، يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ الذِي يَجْرِي عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ شَيْءٌ، إِلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ هُمْ أَبَوا فَسَلْهُمُ الْجِزْيَةَ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْتلْ مِنْهُمْ وَكفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ هُم أبوا فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَقَاتِلْهُم، وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ، فَأَرَادُوكَ أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ، فَلَا تَجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَلَا ذِمَّةَ نَبِيِّهِ، وَلَكِنِ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَكَ وَذِمَّةَ أَصحَابِكَ، فَإِنَّكُم أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وَذِمَمِ أَصْحَابِكُمْ، أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ اللَّهِ، وَذِمَّةَ رَسُولهِ، وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهم عَلَى حُكْمِ اللَّهِ، فَلَا تُنْزِلْهم عَلَى حُكْمِ اللَّهِ، وَلَكِنْ أَنْزِلْهم عَلَى حُكْمِكَ، فَإِنَّكَ لَا تدرِي أَتُصِيبُ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ أَم لَا" (1).
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَأْمُرُ بِالتَّيْسِيرِ وَيَقُولُ: "بَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا، وَيَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا"(2)، وَكَانَ إِذَا جَاءَ قَوْمًا بِلَيْلٍ لَمْ يُغِر عَلَيْهِمْ حَتَّى يُصْبِحَ (3)، وَنَهى
(1) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث - رقم الحديث (1731) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (22978).
(2)
أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب في الأمر بالتيسير وترك التنفير - رقم الحديث (1732) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (19572).
(3)
أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم الناس إلى الإسلام - رقم الحديث (2945) - وأخرجه في كتاب المغازي - باب غزوة خيبر - رقم الحديث (4197) - ومسلم في صحيحه - كتاب الصلاة - باب =
أَشَدَّ النَّهْي عَنِ التَّحرِيقِ فِي النَّارِ (1)، وَنَهَى عَنْ قتلِ النِّسَاءِ (2)، وَنَهَى عَنِ النَّهْبِ (3)، وَنَهَى عَنْ قَطْعِ الْأَشْجَارِ، إِلَّا إِذَا اشْتَدَّتْ إِلَيْها الْحَاجَةُ، وَلَا يَبْقَى سِوَاهُ سَبِيلٌ، وَقَالَ عِنْدَ فَتْحِ مَكَّةَ:"لَا تُجْهِزُنَّ عَلَى جَرِيحٍ، وَلَا تَتَّبِعُوا مُدبِرًا"(4)، وَأَمضَى السُّنَّةَ بِأَنَّ السَّفِيرَ لَا يُقْتَلُ (5)، وَشَدَّدَ فِي النَّهْي عَنْ قَتْلِ الْمُعَاهدِينَ (6). . . إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْقَوَاعِدِ النَّبِيلَةِ التِي طَهَّرَتِ الْحُرُوبَ مِنْ أَدْرَانِ (7) الْجَاهِلِيَّةِ، حَتَّى جَعَلَتْها جِهادًا مُقَدَّسًا (8).
= الإمساك من الإغارة - رقم الحديث (382).
(1)
أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب لا يعذب بعذاب اللَّه - رقم الحديث (3016) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (1871)(8068).
(2)
أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب قتل الصبيان في الحرب - رقم الحديث (3014) - وباب قتل النساء في الحرب - رقم الحديث (3015) - ومسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب تحريم قتل النساء والصبيان في الحرب - رقم الحديث (1744)(24)(25) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (4739).
(3)
النَّهب: الغارة والسَّلب. انظر النهاية (5/ 117)، وأخرج ذلك الإمام البخاري في صحيحه - كتاب المظالم - باب النهبى بغير إذن صاحبه - رقم الحديث (2474) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (18740).
(4)
انظر سيرة ابن هشام (4/ 57) - الطبقات الكبرى لابن سعد (2/ 317).
(5)
أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (3642)(15989) - وابن حبان - كتاب السير - باب الرسول - رقم الحديث (4879) - وأبو داود في سننه - كتاب الجهاد - باب في الرسل - رقم الحديث (2761) - وإسناده صحيح.
(6)
أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الجزية والموادعة، باب إثم من قتل معاهدًا بغير جرم - رقم الحديث (3166) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (20377).
(7)
الدَّرَنُ: الْوَسَخُ. انظر النهاية (2/ 108).
(8)
انظر الرحيق المختوم، ص (441 - 442) - والسِّيرة النَّبوِيَّة لأبي الحسن النَّدْوي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، ص (377 - 378).