الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَأَوْرَدَهُ الذَّهَبِيُّ فِي سِيَرِ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ، وَقَالَ: إِسْنَادُهُ وَاهٍ (1).
وَلقدْ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِلْعَبَّاسِ رضي الله عنه وَوَلَدِهِ بِالمَغْفِرَةِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم العَبَّاسَ فَقَالَ: "إِذَا كَانَ غَدَاةَ الِاثْنَيْنِ فَائْتِنِي أَنْتَ وَوَلَدُكَ"، قَالَ: فَغَدَا وَغَدَوا مَعَهُ، قَالَ: فَأَلْبَسَنَا كِسَاءً لَهُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلعَبَّاسِ وَلِوَلدِهِ مَغفِرَةً ظاهِرَةً بَاطِنةً لا تُغَادِرُ ذَنْبًا، اللَّهمَّ اخْلُفْهُ فِي وَلدِهِ"(2).
*
تَحَسُّسُ قُرَيْشٍ الأَخْبَارَ وَإِسْلَامُ أَبِي سُفْيَانَ بنِ حَرْبٍ:
وَكَانَ اللَّهُ سبحانه وتعالى قَدْ أَخَذَ العُيُونَ عَنْ قُرَيْشٍ، فَلَمْ يَأْتِهِمْ خَبَرٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَلَا يَدْرُونَ مَا هُوَ فَاعِلٌ، فَبَعَثُوا أبَا سُفْيَانَ بنَ حَرْبٍ يتَحَسَّسُ الأَخْبَارَ، وَقَالُوا لَهُ: إِنْ لَقِيتَ مُحَمَّدًا فَخُذْ لَنَا مِنْهُ أَمَانًا.
فَخَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ، وَمَعَهُ حَكِيمُ بنُ حِزَامٍ، وَبُدَيْلُ بنُ وَرْقَاءَ، يَلْتَمِسُونَ الأَخْبَارَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.
* أَرْبَعَةٌ أَرْبَأُ (3) بِهِمْ عَنِ الشِّرْكِ:
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَيْلَةَ قُرْبِهِ مِنْ مَكَّةَ: "إِنَّ بِمَكَّةَ لَأَرْبَعَةَ نَفَرٍ مِنْ قُرَيشٍ أَرْبَأُ بِهِمْ عَنِ الشِّرْكِ، وَأغَبُ لَهُمْ فِي الإِسْلَامِ"، فَقِيلَ: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ
(1) انظر سير أعلام النبلاء (2/ 84).
(2)
أخرجه الإمام أحمد في فضائل الصحابة - رقم الحديث (1795).
(3)
يُقال: إني لأربَأُ بك عن ذلك الأمر: أي أرفعك عنه. انظر لسان العرب (5/ 94).
اللَّهِ؟ قَالَ: "عَتَّابُ بنُ أَسِيدٍ، وَجبيْرُ بنُ مُطْعِمٍ، وَحَكِيمُ بنُ حِزَامٍ، وَسُهَيْلُ بنُ عَمْرٍو"(1).
فَأَقْبَلَ هَؤُلَاءِ النَّفرُ الثَّلَاثَةُ -وَهُمْ أَبُو سُفْيَانَ، وَحَكِيمُ بنُ حِزَامٍ، وَبُدَيْلُ بنُ وَرْقَاءَ- حَتَّى أَتَوْا مَرَّ الظَّهْرَانِ، فَإِذَا هُمْ بِنِيرَانٍ كَثِيرَةٍ، فَفَزِعُوا، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: مَا رَأَيْتُ كَاللَّيْلَةِ نِيرَانًا قَطُّ وَلَا عَسْكَرَ، فَقَالَ بُدَيْلُ بنُ وَرْقَاءَ: هَذِهِ وَاللَّهِ خُزَاعَةُ حَمَشَتْهَا (2) الحَرْبُ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: خُزَاعَةُ أَذَلُّ وَأَقَلُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ نِيرَانُهَا وَعَسْكَرُهَا (3).
فِي هَذِهِ الفَتْرَةِ كَانَ العَبَّاسُ رضي الله عنه يَلْتَمِسُ أَحَدًا يُخْبِرُ قُرَيْشًا بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، حَتَّى تَسْتَسْلِمَ وَلَا تُقَاتِلَ، فَعَرَفَ العَبَّاسُ صَوْتَ أَبِي سُفْيَانَ، وَهُوَ يَتَحَدَّثُ مَعَ بُدَيْلِ بنِ وَرْقَاءَ، فنَادَا، قَالَ: يَا أَبَا حَنْظَلَةَ!
فَعَرَفَ أَبُو سُفْيَانَ صَوْتَ العَبَّاسِ، فَقَالَ: أَبَا الفَضْلِ! مَا وَرَاءَكَ.
فَقَالَ العَبَّاسُ: وَيْحَكَ يَا أبَا سُفْيَانَ! هَذَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي النَّاسِ (4)، وَاصَبَاحَ قُرَيْشٍ وَاللَّهِ! .
(1) أخرج هذا الحديث: الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب ذكر عتاب بن أسيد - رقم الحديث (6582) - وأورده الذهبي في سير أعلام النبلاء (3/ 47) وإسناده ضعيف: فيه مجهول وضعيفان.
(2)
حَمَشْتُها: جمعتها. انظر لسان العرب (3/ 324).
(3)
أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب أين ركز النبي صلى الله عليه وسلم الراية يوم الفتح - رقم الحديث (4280) - وابن إسحاق في السيرة (4/ 50).
(4)
هذه رواية ابن إسحاق في السيرة (4/ 151).
وفي رواية ابن سعد في طبقاته (2/ 317) قال: هذا رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في عشرة آلاف.
فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَمَا الحِيلَةُ؟
قَالَ العَبَّاسُ: وَاللَّهِ لَئِنْ ظفَرَ بِكَ لَيَضْرِبَنَّ عُنُقَكَ، فَارْكَبْ فِي عَجُزِ (1) هَذِهِ البَغْلَةِ -بَغْلَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى آتِيَ بِكَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَسْتَأْمِنُهُ لَكَ.
فَرَكِبَ أَبُو سُفْيَانَ خَلْفَ العَبَّاسِ عَلَى بَغْلَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَرَجَعَ صَاحِبَاهُ حَكِيمُ بنُ حِزَامٍ، وَبُدَيْلُ بنُ وَرْقَاءَ إِلَى مَكَّةَ.
قَالَ العَبَّاسُ رضي الله عنه: فَجِئْتُ بِهِ، كُلَّمَا مَرَرْتُ بِنَارٍ مِنْ نِيرَانِ المُسْلِمِينَ قَالُوا: مَنْ هَذَا؟ فَإِذَا رَأَوْا بَغْلَةَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَيْهَا، قَالُوا: عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى بَغْلَتِهِ، حَتَّى مَرَرْتُ بِنَارِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ وَقَامَ إِلَيَّ، فَلَمَّا رَأَى أَبَا سُفْيَانَ عَلَى عَجُزِ الدَّابَّةِ قَالَ: أَبُو سُفْيَانَ عَدُوُّ اللَّهِ؟ الحَمْدُ للَّهِ الذِي أَمْكَنَ مِنْكَ بِغَيْرِ عَقْدٍ وَلَا عَهْدٍ، ثُمَّ أَخَذَ يَشْتَدُّ نَحْوَ رَسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم (2)، وَرَكَضَتِ البَغْلَةُ، فَسَبَقَتْهُ فَاقْتَحَمْتُ (3) عَنِ البَغْلَةِ، فَدَخَلْتُ عَلَى رَسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَدَخَلَ عَلَيْهِ عُمَرُ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسولَ اللَّهِ! هَذَا أَبُو سُفْيَانَ قَدْ أَمْكَنَ اللَّهُ مِنْهُ بِغَيْرِ عَقْدٍ وَلَا عَهْدٍ، فَدَعْنِي فَلْأَضْرِبْ عُنُقَهُ.
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي قَدْ أَجَرتُهُ، ثُمَّ جَلَسْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا أَكْثَرَ عُمَرُ فِي شَأْنِ أَبِي سُفْيَانَ، قُلْتُ: مَهْلًا يَا عُمَرُ! فَوَاللَّهِ لَوْ كَانَ مِنْ رِجَالِ بَنِي
(1) العَجُز: هو مؤخرة الشيء. انظر النهاية (3/ 168).
(2)
كان سببُ اشتدادِ عُمر رضي الله عنه إلى رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ليطلب منه الإذن في قتل أبي سفيان، وقد يحصل على الإذن، ففطن العباس رضي الله عنه لذلك فاشتدَّ على البغلة إلى رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ليستأمن من رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لأبي سفيان.
(3)
يُقال: اقتحم عن الدابة: إذا رمى بنفسه عنها. انظر النهاية (4/ 17).
عَدِيِّ بنِ كَعْبٍ مَا قُلْتَ هَذَا، وَلَكِنَّكَ قَدْ عَرَفْتَ أَنَّهُ مِنْ رِجَالِ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ.
فَقَالَ عُمَرُ رضي الله عنه: مَهْلًا يَا عَبَّاسُ! فَوَاللَّهِ لَإِسْلَامُكَ يَوْمَ أَسْلَمْتَ كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ إِسْلَامِ الخَطَّابِ لَوْ أَسْلَمَ (1).
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "اذْهَبْ بِهِ (2) يَا عَبَّاسُ إِلَى رَحْلِكَ، فَإِذَا أَصْبَحْتَ فَأْتِنِي بِهِ".
قَالَ العَبَّاسُ رضي الله عنه: فَذَهَبْتُ بِأَبِي سُفْيَانَ إِلَى رَحْلِي، فَباتَ عِنْدِي، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ غَدَوْتُ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا رَآه رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"وَيْحَكَ يَا أبا سُفْيَانَ! أَلَمْ يَأْنِ لَكَ أَنْ تَعْلَمَ أنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ ".
فَقَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، مَا أَحْلَمَكَ وَأَكْرَمَكَ وَأَوْصَلَكَ! وَاللَّهِ لقَدْ ظَنَنْتُ أَنْ لَوْ كَانَ مَعَ اللَّهِ إِلَهٌ غَيْرُهُ لقَدْ أَغْنَى عَنِّي شَيْئًا بَعْدُ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "وَيْحَكَ يَا أبا سُفْيَانَ! أَلَمْ يَأْنِ لَكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ ".
قَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، مَا أَحْلَمَكَ وَأَكْرَمَكَ وَأَوْصَلَكَ! أَمَّا هَذِهِ فَإِنَّ فِي النَّفْسِ مِنْهَا حَتَّى الآنَ شَيْئًا.
فَقَالَ لَهُ العَبَّاسُ: وَيْحَكَ! أَسْلِمْ، وَاشْهَدْ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا
(1) أخرج ذلك كله أبو داود في سننه - كتاب الخراج والفيء - باب ما جاء في فتح مكة - رقم الحديث (3022) -وهو حديث صحيح لغيره- وابن إسحاق في السيرة (4/ 51) - وإسناده صحيح.
(2)
أي بأبي سفيان.