الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: فَظَهرَتْ بِهذَا الْحِكْمَةُ فِي حِرمَانِ جُعَيْلِ بْنِ سُرَاقَةَ رضي الله عنه، وَإِعْطَاءَ غَيْرِهِ، وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ لِمَصلَحَةِ التَّأْلِيفِ (1).
وَقَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّد الْغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: كَانَتْ هَذِهِ الْقِسْمَةُ مَبْنِيَّةً عَلَى سِيَاسَةٍ حَكِيمَةٍ، فَإِنَّ فِي الدُّنْيَا أَقْوَامًا كَثِيرِينَ يُقَادُونَ إِلَى الْحَقِّ مِنْ بُطُونِهِمْ لَا مِنْ عُقُولِهِمْ، فَكَمَا تُهْدَى الدَّوَابُّ إِلَى طَرِيقِهَا بِحِزْمَةِ برسِيمٍ تَظَلُّ تَمُدُّ إِلَيْهَا فَمَهَا حَتَّى تَدْخُلَ حَظِيرَتَها آمِنَةً، فكَذَلِكَ هَذِهِ الْأَصْنَافُ مِنَ الْبَشَرِ تَحْتَاجُ إِلَى فُنُونٍ مِنَ الْإِغْرَاءَ حَتَّى تَسْتَأْنِسَ بِالْإِيمَانِ، وَتَهُشَّ له، وَقَدْ خَفِيَتْ هَذِهِ الْحِكْمَةُ أَوَّلَ الْأَمْرِ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ أَصحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حَتَّى قَالَتِ الْأَنْصَارُ مَا قَالَتْ، وَحَتَّى قَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ رضي الله عنه مَا قَالَ فِي جُعَيْلِ بْنِ سُرَاقَةَ رضي الله عنه، فَلَمَّا اسْتَبَانَ لَهُمُ الْأَمْرُ صَارُوا بِالذِي سَمِعُوا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَقَرَّ عَيْنًا، وَأَشَدَّ اغْتِبَاطًا مِنْهُمْ بِالْمَالِ (2).
*
قِصَّةُ عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ رضي الله عنه، وَحَدِيثُ: "مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ
":
رَوَى الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ رضي الله عنه قَالَ: اشْتَرَيْتُ أَنَا وَأَخِي مِائَةَ سَهْمٍ مِنْ سِهَامِ حُنَيْنٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ:
= موصول صحيح، أورده الحافظ في الإصابة (1/ 596) - والفتح (1/ 114) - وإسناده صحيح - وأصله في صحيح البخاري - كتاب الإيمان - باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة - رقم الحديث (27) - ومسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب تألف قلب من يخاف على إيمانه لضعفه - رقم الحديث (150)(237).
(1)
انظر فتح الباري (1/ 114).
(2)
انظر فقه السيرة للشيخ محمد الغزالي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، ص 394.
"يَا عَاصِمُ مَا ذِئْبَانِ عَادِيَانِ أَصَابَا فَرِيسَةَ غَنَمٍ أَضَاعَهَا رَبُّهَا (1) بِأَفْسَدَ فِيهَا مِنْ حُبِّ الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ"(2).
وَفِي رِوَايَةِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَالتِّرْمِذِيِّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرسِلَا فِي غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرصِ الْمَرء عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ"(3).
قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ رحمه الله: فَهَذَا مَثَلٌ عَظِيمٌ جِدًّا ضَرَبَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِفَسَادِ دِينِ الْمُسْلِمِ بِالْحِرصِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَّ فَسَادَ الدِّينِ بِذَلِكَ لَيْسَ بِدُونِ فَسَادِ الْغَنَمِ بِذِئْبَيْنِ جَائِعَيْنِ ضَارِيَيْنِ بَاتَا فِي الْغَنَمِ قَدْ غَابَ عَنْهَا رِعَاؤُها لَيْلًا، فَهُمَا يَأْكُلَانِ فِي الْغَنَمِ وَيَفْتَرِسَانِ فِيهَا، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يَنْجُو مِنَ الْغَنَمِ مِنْ إِفْسَادِ الذِّئْبَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ إِلَّا قَلِيلٌ، فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنَّ حرصَ الْمرءَ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ إِفْسَادٌ لِدِينِهِ، لَيْسَ بِأَقَلَّ مِنْ إِفْسَادِ الذِّئْبَيْنِ لهذه الْغَنَمِ (4).
(1) الرَّبُّ: يُطْلَقُ في اللغة على الْمَالك والسَّيِّدِ، والْمُدَبِّرِ، والْمُرَبِّي. انظر النهاية (2/ 165).
(2)
أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب مذمة حب المال - رقم الحديث (5826).
(3)
أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (15784) - والترمذي في جامعه - كتاب الزهد - باب ما جاء في أخذ المال - رقم الحديث (2533) - وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(4)
انظر كلام ابن رجب رحمه الله في رسالة له في شرح هذا الحديث ص 21 - تحقيق: محمد صبحي حَلَّاق.