الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الصَّحِيحِ، فَذَكَرَ: أَنَّ مُسَيْلِمَةَ قَدِمَ مَعَ وَفْدِ قَوْمِهِ، وَأنَّهُمْ تَرَكُوهُ فِي رِحَالِهِمْ يَحْفَظُهَا لَهُمْ، وَذَكَرُوهُ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَخَذُوا مِنْهُ جَائِزَتَهُ، وَأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهُمْ عَنْ مُسَيْلِمَةَ:"لَيْسَ بِشَرِّكُمْ"، وَأَنَّ مُسَيْلِمَةَ لَمَّا ادَّعَى أَنَّهُ أُشْرِكَ فِي النُّبُوَّةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم احْتَجَّ بِهذِهِ الْمَقَالَةِ.
وَهذَا مَعَ شُذُوذِهِ ضَعِيف الْإِسْنَادِ لِانْقِطَاعِهِ، وَأَمْرُ مُسَيْلِمَةَ كَانَ عِنْدَ قَوْمِهِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَقَدْ كَانَ يُقَالُ لَهُ: رحمَانُ الْيَمَامَةِ لِعِظَمِ قَدْرِهِ فِيهِمْ، وَكَيْفَ يَلْتَئِمُ هَذَا الْخَبَرُ الضَّعِيفُ مَعَ قَوْلِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم اجْتَمَعَ بِهِ وَخَاطَبَهُ، وَصَرَّحَ له بِحَضْرَةِ قَوْمِهِ أَنَّهُ لَوْ سَأَلهُ قِطْعَةَ الْجَرِيدَةَ مَا أَعْطَاهُ (1).
قُلْتُ: سَيَأْتِي خَبَرُ تَنَبُّؤِ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
*
رُجُوعُ الْوَفدِ إِلَى اليَمَامَةِ:
وَلَمَّا أَرَادَ وَفْدُ بَنِي حَنِيفَةَ الرُّجُوعَ إِلَى الْيَمَامَةِ أَعطَاهُم رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِدَاوَةً (2) فِيهَا مَاءٌ مِنْ فَضْلِ طَهُورِهِ، فَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالنَّسَائيُّ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَرَجْنَا سِتَّةً وَفْدًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، خَمسَةٌ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ، وَرَجُلٌ مِنْ بَنِي ضُبَيْعَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَبَايَعنَاهُ وَصَلَّيْنَا مَعَهُ، وَأَخْبَرْنَاهُ أَنَّ بِأَرْضِنَا
(1) انظر فتح الباري (8/ 422).
(2)
الْإِدَاوَة: بكسر الهمزة إناء صغير من جلد يتخذ للماء. انظر لسان العرب (1/ 100).
بِيعَةً (1) لَنَا، وَاسْتَوْهَبْنَاهُ مِنْ فَضْلِ طُهُورِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فتَوَضَّأَ مِنْهُ وَتَمَضْمَضَ، وَصَبَّ لَنَا فِي إِدَاوَةٍ، ثُمَّ قَالَ:"اذْهبُوا بِهذَا الْمَاءِ، فَإِذَا قَدِمتُم بَلَدَكُم، فَاكْسِرُوا بِيعَتَكُم، ثُمَّ انْضَحُوا (2) مَكَانَها مِنْ هَذَا الْمَاءِ، وَاتَّخِذُوا مَكَانَها مَسْجِدًا".
فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّه! الْبَلَدُ بَعِيدٌ، وَالْحَرُّ شَدِيدٌ، وَالْمَاءُ يَنْشَفُ، قَالَ:"فَأَمِدُّوهُ مِنَ الْمَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يَزِيدُهُ إِلَّا طِيبًا".
فَخَرَجْنَا فتَشَاحَحْنَا (3) عَلَى حَملِ الْإِدَاوَةِ أَيُّنَا يَحْمِلُهَا، فَجَعَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، نَوْبًا (4) لِكُلِّ رَجُلٍ مِنَّا يَوْمًا وَلَيْلَةً، فَخَرَجْنَا بِهَا حَتَّى قَدِمنَا بَلَدَنَا، فَعَمِلْنَا الذِي أَمَرَنَا (5)، وَرَاهِبُ ذَلِكَ القوْمِ رَجُل مِنْ طَيْءٍ، فنَادَيْنَا بِالصَّلَاةِ، فَقَالَ الرَّاهِبُ: دَعوَةُ حَقٍّ، ثُمَّ هَرَبَ، فَلَمْ يُرَ بَعْدُ (6).
* * *
(1) بِيعَة: بكسر الباء هي كنيسة اليهود، وقيل كنيسة لنصارى، ومنه قوله تَعَالَى في سورة الحج آية (40):{وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا} . انظر لسان العرب (1/ 558)
(2)
النَّضْحُ: الرَّشُ. انظر لسان العرب (14/ 173).
(3)
الشُّح: أشد البخل. انظر النهاية (2/ 401).
(4)
نَاوَبَهُ في الشيء والأمر: أي ساهمه فيه وتداوله معه. انظر المعجم الوسيط (2/ 961).
(5)
في رواية النسائي قال: فخرجنا حتى قدمنا بلدنا، فكسرنا بيعتنا، ثم نضحنا مكانها، واتخذناها مسجدًا.
(6)
أخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب الطهارة - باب نواقض الوضوء - رقم الحديث (1123) - والنسائي في السنن الكبرى - كتاب المساجد - باب اتخاذ البيع مساجد - رقم الحديث (782).