الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ضَرْبًا شَدِيدًا، وَقَالَ: قَدْ حَدَثَ اليَوْمَ أَمْرٌ عَظِيمٌ، قُلْتُ لَهُ: مَا هُوَ؟ أَجَاءَ غَسَّانُ؟ ، قَالَ: لَا بَلْ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ وَأَهْوَلُ، طَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نِسَاءَهُ (1).
*
رَأْيُ الْحَافِظِ ابْنِ كَثِيرٍ:
وَيَرَى الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ أَنَّ السَّبَبَ فِي عَزْمِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى غَزْوِ الرُّومِ؛ لِأَنَّهُمْ أَقْرَبُ النَّاسِ إِلَيْهِ، بَعْدَمَا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ أَمْرِ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، فَقَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: فَعَزَمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى قِتَالِ الرُّومِ؛ لِأَنَّهُمْ أَقْرَبُ النَّاسِ إِلَيْهِ، وَأَوْلَى النَّاسِ بِالدَّعْوَةِ إِلَى الْحَقِّ لِقُرْبِهِمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} (2).
قُلْتُ: وَالذِي نَمِيلُ إِلَيْهِ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ- في سَبَبِ غَزْوَةِ تَبُوكَ، مَا بَلَغَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ غَزْوِ الرُّومِ لَهُمْ، وَذَلِكَ وَاضِحٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ في طَبَقَاتِهِ، وَحَدِيثِ عُمَرَ رضي الله عنه.
*
اسْتِنْفَارُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْمُسْلِمِينَ لِلْغَزوِ:
أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَصْحَابَهُ بِالتَّهَيُّؤِ لِغَزْوِ الرُّومِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَلَّمَا
(1) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب النكاح - باب موعظة الرَّجل ابنته لحال زوجها - رقم الحديث (5191) - ومسلم في صحيحه - كتاب الطلاق - باب الإيلاء واعتزال النساء - رقم الحديث (1479).
(2)
سورة التوبة آية (123) - وانظر كلام الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (5/ 5).
يَخْرُجُ إِلَى غَزْوَةٍ إِلَّا وَوَرَّى (1) بِغَيْرِهَا، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ غَزْوَةِ خَيْبَرَ وَغَزْوَةِ تَبُوكَ (2)، فَغَزْوَةُ خَيْبَرَ، فلِأنَّ اللَّه تَعَالى وَعَدَ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بفَتْحِهَا، وَأمَّا غزْوَةُ تَبُوكَ، فَلبُعْدِ الشُّقَّةِ (3)، وَشِدَّةِ الزَّمَانِ، إِذْ كَانَ ذَلِكَ في شِدَّةِ الْحَرِّ، حِينَ طَابَتِ الظِّلَالُ، وَأَيْنَعَتِ الثِّمَارُ، وَحُبِّبَ إِلَى النَّاسِ الْمُقَامُ، وَكَثْرَةِ الْعَدُوِّ. . . وَكَانَ لِهَذِهِ الْعَوَامِلِ الْمُخْتَلِفَةِ أَثَرُهَا في تَثَاقُلِ بَعْضِ النَّاسِ عِنْدَ النَّفْرَةِ، فَبَدَأَتِ الْآيَاتُ تَنْزِلُ في سُورَةِ التَّوْبَةِ لِتُعَالِجَ هَذَا الْأَمْرَ، فَقَالَ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (38) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39) إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (40)
(1) ورّى: أي سَتَرَهُ وكَنَّى عنه، وأوهم أنَّه يريد غيره. انظر النهاية (5/ 155).
(2)
روى البخاري في صحيحه - رقم الحديث (4418) - ومسلم في صحيحه - رقم الحديث (2769)(54) - عن كعب بن مالك رضي الله عنه أنَّه قال: . . . ولم يكن رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يريد غزوة إِلَّا وَرّى بغيرها حَى كانت تلك الغزوة -أي غزوة تبوك- غزاها رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في حر شديد.
(3)
الشُّقَّةُ: السَّفَرُ الطويلُ، وقيل: الْمَسَافَةُ البَعِيدَةُ. انظر النهاية (2/ 440).
ومنه قوله تَعَالَى في سورة التوبة آية (42): {لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ. . .}