الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إِلَى ذِي طُوًى قَطَعَ التَّلْبِيَةَ، وَبَاتَ بِهَا لَيْلَةَ الْأَحَدِ لِأَرْبَعِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، ثُمَّ أَصْبَحَ فَاغْتَسَلَ وَصَلَّى بِهَا الفجْرَ، ثُمَّ نَهَضَ إِلَى مَكَّةَ نَهَارًا مِنْ أَعْلَاهَا مِنْ كَدَاءَ (1) مِنَ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا التِي بِالْبَطْحَاءِ صَبِيحَةَ يَوْمِ الْأَحَدِ، وَنَزَلَ بِالْمُسْلِمِينَ بِظَاهِرِ مَكَّةَ عِنْدَ الْحَجُونِ (2).
*
دُخُولُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَطَوَافُهُ بِالْبَيْتِ:
ثُمَّ أَتَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ ضُحًى، فَدَخَلَهُ مِنْ بَابِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَهُوَ بَابُ بَنِي شَيْبَةَ، الْمَعْرُوفُ الْآنَ بِبَابِ السَّلَامِ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْبَيْتَ كَبَّرَ، وَقَالَ:"اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، فَحَيِّنَا رَبَّنَا بِالسَّلَامِ، اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا الْبَيْتَ تَشْرِيفًا وَتَعْظِيمًا وَتَكْرِيمًا وَمَهَابَةً، وَزِدْ مَنْ حَجَّهُ أَوِ اعْتَمَرَهُ تَكْرِيمًا وَتَشْرِيفًا وَتَعْظِيمًا"(3).
(1) كَدَاء: بفتح الكاف. انظر النهاية (4/ 136).
(2)
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (4/ 189): الحَجُون: بفتح الحاء وضم الجيم هو الجبل المطل على المسجد الحرام، وهناك مقبرة أهل مكة. وانظر أَيضًا النهاية (1/ 335).
وأخرج ذلك كله: البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب ما يلبس المحرم من الثياب والأَرْدية والأُزُر - رقم الحديث (1545) - وباب دخول مكة نهارًا أو ليلًا - رقم الحديث (1574) - وباب من أين يخرج من مكة - رقم الحديث (1576)(1577) - ومسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب استحباب دخول مكة من الثنية العليا - رقم الحديث (1258) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (4625)(24121) - والنسائي في السنن الكبرى - كتاب المناسك - باب الوقت الذي وافى فيه النبي صلى الله عليه وسلم مكة - رقم الحديث (3841) - وابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (1725)(1726)(1727).
(3)
أخرج ذلك ابن أبي شيبة في مصنفه - رقم الحديث (15999) - وإسناده ضعيف. =
ثُمَّ بَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فَاسْتَلَمَهُ (1) وَقَبَّلَهُ، وَفَاضَتْ عَيْنَاهُ بِالْبُكَاءِ (2).
رَوَى ابْنُ مَاجَه فِي سُنَنِهِ وَالْحَاكِمُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: اسْتَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْحَجَرَ وَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ وَضَعَ شَفَتَيْهِ عَلَيْهِ يَبْكِي طَوِيلًا، ثُمَّ الْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَإِذَا هُوَ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه يَبْكِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"يَا عُمَرُ هَاهُنَا تُسْكَبُ الْعَبَرَاتُ"(3).
وَرَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه، أَنَّهُ جَاءَ إِلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فَقَبَّلَهُ، فَقَالَ: إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ (4).
= وأخرج البيهقي في السنن (5/ 73) بسند حسن أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقول إذا رأى البيت: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، فحيّنا ربنا بالسلام.
(1)
معنى الاستلام: التمسح بالسَلِمة، بفتح السين وكسر اللام، وهي الحجارة، وقيل: هو افتعال من السلام: التحية. انظر النهاية (2/ 356) - وجامع الأصول (3/ 168).
(2)
أورد ذلك الحافظ ابن كثير فِي البداية والنهاية (5/ 167) - وعزاه إلى البيهقي في السنن الكبرى، وجود إسناده.
(3)
العبرات: الدموع. انظر لسان العرب (9/ 18).
والحديث أخرجه ابن ماجه في سننه - كتاب المناسك - باب استلام الحجر - رقم الحديث (2945) - والحاكم في المستدرك - كتاب المناسك - باب استلام الحجر وتقبيله - رقم الحديث (1713).
(4)
أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب ما ذكر في الحجر الأسود - رقم الحديث (1597) - ومسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب استحباب تقبيل الحجر =
ثُمَّ طَافَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالْبَيْتِ مَاشِيًا (1)، فَرَمَلَ (2) ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا، يَسْتَلِمُ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ وَالرُّكْنَ الْيَمَانِي فِي كُلِّ طَوَافِهِ (3)، وَقَدِ اضْطَبَعَ (4) بِرِدَائِهِ فَجَعَلَ طَرَفَيْهِ عَلَى أَحَدِ كَتِفَيْهِ، وَأَبْدَى كَتِفَهُ الْأَخْرَى، وَمَنْكِبَهُ، وَكَانَ كُلَّمَا حَاذَى (5) الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ اسْتَلَمَهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ قبَّلَهَا وَكَبَّرَ، أَوِ اسْتَلَمَهُ بِمِحْجَنِهِ (6)
= الأسود في الطواف - رقم الحديث (1270)(251) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الحج - باب دخول مكة - رقم الحديث (3822).
(1)
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ فِي البداية والنهاية (5/ 167): فأما الأول، وهو طواف القدوم، فكان ماشيًا فيه صلى الله عليه وسلم، وقد نص الشافعي على هذا كله، والدليل على ذلك ما رواه البيهقي في السنن الكبرى بسند جيد عن جابر بن عبد اللَّه رضي الله عنهما قال: دخلنا مكة عند ارتفاع الضحى، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم باب المسجد فأناخ راحلته، ثم دخل المسجد، فبدأ بالحجر فاستلمه، وفاضت عيناه بالبكاء، ثم رمل ثلاثًا، ومشى أربعًا حَتَّى فرغ.
(2)
الرَمَل: بفتح الراء والميم، هو المشي السريع مع هز المنكبين. انظر النهاية (2/ 241).
(3)
قال ابن القيم رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي زاد المعاد (2/ 208): ولم يَدْعُ النبي صلى الله عليه وسلم عند الباب -أي باب الكعبة- بدعاء، ولا تحت الميزاب، ولا عند ظهر الكعبة وأركانها، ولا وَقّت للطواف ذكرًا معينًا، لا بفعله، ولا بتعليمه، بل حُفِظَ عنه بين الركنين قوله:"ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار".
أخرج هذا الدعاء ابن حبان في صحيحه - رقم الحديث (3826) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (15398) - وإسناده حسن.
(4)
الِاضْطِبَاع: هو أن يأخذ الإزار أو البُرْد، فيجعل وسطه تحت إبطه الأيمن، ويلقي طرفيه على كتفه الأيسر من جهتي صدره وظهره، وسمي بذلك لإبداء الضبعين. انظر النهاية (3/ 68).
(5)
الحِذاء: الإزاء والمقابل. انظر لسان العرب (3/ 98).
(6)
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (4/ 273): الْمِحْجَن: بكسر الميم وسكون الحاء وفتح الجيم، هو عصا محنية الرأس، والحجن الاعوجاج.
وَقَبَّلَ الْمِحْجَنَ وَكَبَّرَ إِذَا ازْدَحَمَ النَّاسُ عَلَيْهِ (1)، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَدْعُو بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ -أَي الْأَسْوَدِ وَالْيَمَانِي- فَيَقُولُ:{رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} (2).
وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَبَّلَ الرُّكْنَ الْيَمَانِي، أَوْ قَبَّلَ يَدَهُ عِنْدَ اسْتِلَامِهِ (3).
فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ طَوَافِهِ، جَاءَ إِلَى خَلْفِ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ عليه السلام، فَقَرَأَ:{وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} (4)، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَالْمَقَامُ بَيْنَهُ
(1) أخرج ذلك كله: البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب الرمل في الحج والعمرة - رقم الحديث (1604) - وباب تقبيل الحجر - رقم الحديث (1611) - وباب من ساق البدن معه - رقم الحديث (1691) - ومسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم رقم الحديث (1218) - وباب استحباب الرمل في الطواف والعمرة - رقم الحديث (1261)(1262) - وباب استحباب استلام الركنين اليمانيين في الطواف - رقم الحديث (1267) - وباب وجوب الدم على المتمتع - رقم الحديث (1227) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الحج - باب دخول مكة - رقم الحديث (3810).
(2)
تقدم تخريج هذا الحديث قبل قليل.
(3)
روى الإِمام البخاري في صحيحه - رقم الحديث (1609) - ومسلم في صحيحه - رقم الحديث (1267) - عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لم أر رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يستلم من البيت إلا الركنين اليمانيين.
قال الإِمام النووي في شرح مسلم (9/ 12): الركنان اليمانيان: هما الركن الأسود، والركن اليماني.
(4)
سورة البقرة آية (125).