الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بنُ بَكْرٍ -وَهُمُ الذِينَ اسْتُرْضِعَ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَنَاس مِنْ هِلَالٍ، وَفِي بَنِي جُشْمٍ رَجُل يُقَالُ لَهُ "دُرَيْدُ بنُ الصِّمَّةِ"(1) شَيْخٌ كَبِير قَدْ عَمِيَ، لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ إِلَّا التَّيَمُّنُ (2) بِرَأْيِهِ، ومَعْرِفَتُهُ بِالحَرْبِ، وَكَانَ شُجَاعًا مُجَرِّبًا، وَفِي ثَقِيفٍ سَيِّدَانِ لَهُمْ، فِي الأَحْلَافِ: قَارِبُ بنُ الأَسْوَدِ، وَفِي بَنِي مَالِكٍ: ذُو الخِمَارِ سُبَيْعُ بنُ الحَارِثِ، وَأَخُوهُ أَحْمَرُ بنُ الحَارِثِ، وَقَدْ بَلَغَ جَيْشُ الكُفَّارِ عِشْرِينَ أَلْفًا، وَكَانَ جِمَاعُ أَمْرِ النَّاسِ إِلَى مَالِكِ بنِ عَوْفٍ النَّصْرِيِّ (3)، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ ابنُ ثَلَاثِينَ سَنَةً.
فَلَمَّا أَجْمَعَ مَالِكُ بنُ عَوْفٍ السَّيْرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أمَرَ النَّاسَ أَنْ يَسُوقُوا مَعَهُمْ أَمْوَالَهُمْ، وَنِسَاءَهُمْ، وَأَبْنَاءَهُمْ، فَسَارَ بِهِمْ حَتَّى نَزَلُوا بِأَوْطَاسَ (4).
*
نَصِيحَةُ دُرَيْدِ بنِ الصِّمَّةِ وَتَنْظِيمُ مَالِكٍ جَيْشَهُ:
وَلَمَّا نَزَلَ مَالِكُ بنُ عَوْفٍ بِأَوْطَاسَ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ النَّاسُ وَفِيهِمْ: دُرَيْدُ بنُ الصِّمَّةِ، فَقَالَ دُرَيْدٌ لِلنَّاسِ: بِأَيِّ وَادٍ أَنْتُمْ؟ .
قَالُوا: بِأَوْطَاسَ، فَقَالَ: نِعْمَ مَجَالُ الخَيلِ، لَا حَزْنَ (5) ضِرْسٍ (6)، وَلَا
(1) دُريد: بضم الدال، والصِمة: بكسر الصاد وتشديد الميم. انظر فَتح الباري (8/ 362).
(2)
التيمن: بتشديد الميم: أي الابتداء فِي أخذ رأيه. انظر لسان العرب (15/ 457).
(3)
أسلم مالك بن عوف رضي الله عنه بعد ذلك، وكان من المؤلفة قلوبهم، وصحب رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ثم شهد القادسية، وفتح دمشق. انظر الإصابة (5/ 550).
(4)
انظر سيرة ابن هشام (4/ 87) - زاد المعاد (3/ 408).
(5)
الحَزْن: ما غلظ من الأرض فِي ارتفاع. انظر لسان العرب (3/ 159).
(6)
الضِّرس: بكسر الضاد وسكون الراء ما خشن من الآكام، والآكام: هو الموضع الذي أشد ارتفاعًا مما حوله، وهو غليظ لا يبلغ أن يكون حجرًا. انظر لسان العرب (1/ 173).
سَهْلَ (1) دَهْسٍ (2)، مَالِي أَسْمَعُ رُغَاءَ (3) البَعِيرِ، وَنُهَاقَ الحَمِيرِ، وَبُكَاءَ الصَّغِيرِ، وَيُغَارَ (4) الشَّاءِ؟
قَالُوا: سَاقَ مَالِكُ بنُ عَوْفٍ مَعَ النَّاسِ أَمْوَالَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ، فَقَالَ: أَيْنَ مَالِكٌ؟ فَدُعِيَ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا مَالِكُ! إِنَّكَ قَدْ أَصْبَحْتَ رَئِيسَ قَوْمِكَ، وَإِنَّ هَذَا يَوْمٌ كَائِنٌ لَهُ مَا بَعْدَهُ مِنَ الأَيَّامِ، مَالِي أَسْمَعُ رُغَاءَ البَعِيرِ، وَنُهَاقَ الحَمِيرِ، وَبُكَاءَ الصَّغِيرِ، وَيُغَارَ الشَّاءَ؟
فَقَالَ مَالِكٌ: سُقْتُ مَعَ النَّاسِ أَمْوَالَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ.
قَالَ: ولمَ ذَاكَ؟
قَالَ مَالِكٌ: أَرَدْتُ أَنْ أَجْعَلَ خَلْفَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أَهْلَهُ وَمَالَهُ، لِيُقَاتِلَ عَنْهُمْ.
فَقَالَ لَهُ دُرَيْدٌ: رَاعِي ضَأْنٍ وَاللَّهِ، وَهَلْ يَرُدُّ المُنْهَزِمَ شَيْءٌ؟
إِنَّهَا إِنْ كَانَتْ لَكَ لَمْ يَنْفَعْكَ إِلَّا رَجُلٌ بِسَيْفِهِ وَرُمْحِهِ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَيْكَ فُضِحْتَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ، ثُمَّ قَالَ: مَا فَعَلْتْ كَعْبٌ وَكِلَابٌ؟ -وَهُمَا بَطْنَانِ مِنْ هَوَازِنَ- قَالُوا: لَمْ يَشْهَدْهَا مِنْهُمْ أَحَدٌ.
(1) السهل من الأرض: نقيض الحَزْن. انظر لسان العرب (6/ 412).
(2)
الدَهْس: الأرض السهلة يثقل فيها المشي. انظر لسان العرب (4/ 427).
(3)
الرُغاء: بضم الراء: صوت الإبل. انظر لسان العرب (5/ 261).
(4)
قال الحافظ في الفتح (4/ 13): يُعار: بضم الياء، وهو صوت المَعْز.
فَقَالَ دُرَيْدٌ: غَابَ الحِدُّ وَالجِدُّ (1)، وَلَوْ كَانَ يَوْمَ عَلَاءٍ وَرِفْعَةٍ لَمْ تَغِبْ عَنْهُ كَعْبٌ وَلَا كِلَابٌ، وَلَوَدِدْتُ أَنَّكُمْ فَعَلْتُمْ مَا فَعَلَتْ كَعْبٌ وَكِلَابٌ.
ثُمَّ قَالَ: يَا مَالِكُ! إِنَّكَ لَمْ تَصْنَعْ بِتَقْدِيمِ البَيْضَةِ (2) بَيْضَةِ هَوَازِنَ إِلَى نُحُورِ الخَيْلِ شَيْئًا، ارْفَعْهُمْ إِلَى مُتَمَنَّعِ بِلَادِهِمْ، وَعُلْيَاءِ قَوْمِهِمْ، ثُمَّ أَلْقِ الصُّبَاةَ (3) عَلَى مُتُونِ الخَيْلِ، فإِنْ كَانَتْ لكَ لحِقَ بِكَ مِنْ وَرَائِكَ، وَإِنْ كَانَتْ عَليْكَ أَلْفَاكَ (4) ذَلِكَ، وَقَدْ أَحْرَزْتَ (5) أَهْلَكَ وَمَالَكَ.
فَقَالَ مَالِكُ بنُ عَوْفٍ: لَا وَاللَّهِ لَا أَفْعَلُ ذَلِكَ، إِنَّكَ كَبِرْتَ وَكَبِرَ عَقْلُكَ، وَاللَّهِ لَتُطِيعُنَّنِي يَا مَعْشَرَ هَوَازِنَ، أَوْ لَأَتَّكِئَنَّ عَلَى هَذَا السَّيْفِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ ظَهْرِي.
قَالُوا: أَطَعْنَاكَ، فَقَالَ دُرَيْدٌ: هَذَا يَوْمٌ لَمْ أَشْهَدْهُ، وَلَمْ يَفُتْنِي.
ثُمَّ أَمَرَ مَالِكُ بنُ عَوْفٍ بِالخَيْلِ فَصُفَّتْ، ثُمَّ صُفَّتِ المُقَاتِلَةُ، ثُمَّ صُفَّتِ النِّسَاءُ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ، ثُمَّ صُفَّتِ النَّعَمُ، ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ: إِذَا رَأَيْتُمُوهُمْ فَاكْسِرُوا جُفُونَ سُيُوفِكُمْ، ثُمَّ شُدُّوا عَلَيْهِمْ شَدَّةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ (6).
(1) الحِد: بكسر الحاء: الصلابة، والجد: بكسر الجيم: ضد الهزل. انظر النهاية (1/ 340).
(2)
البيضة: جماعتهم وأصلهم. انظر النهاية (1/ 168).
(3)
يُقال: صبأ فلان: إذا خرج من دين إلى دين غيره. انظر النهاية (3/ 3). ويقصد بالصباة المسلمون.
(4)
ألفاك: ألزمك. انظر لسان العرب (1/ 180).
(5)
يقال: أحرزت الشيء: إذا حفظته وضممته إليك وصنته عن الأخذ. انظر لسان العرب (3/ 121).
(6)
أخرج قصة قدوم هوازن بالصبيان والنساء والإبل والنعم: =