الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الاجْتِمَاعُ في سَقيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ وَبَيعَةُ أَبي بَكرٍ رضي الله عنه بالخِلافَةِ
وَفي هَذِهِ الْغَمْرَةِ مِنَ الْحُزْنِ وَالْأَسَى، وَقَبْلَ أَنْ يُدْفَنَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، اجْتَمَعَ الْأَنْصَارُ في سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِد لحَسْمِ أَمْرِ الْخِلَافَةِ، وَدَعُونَا نَتْرُكُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه يُحَدِّثُنَا عَنْ ذَلِكَ -كَمَا رَوَاهُ عَنْهُ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، وَابْنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ- قَالَ رضي الله عنه: . . . كَانَ مِنْ خَبَرِنَا حِينَ تَوَفَّى اللَّهُ نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم أَنَّ الْأَنْصَارَ خَالَفُونَا (1)، وَاجْتَمَعُوا بِأَسْرِهِمْ في سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ، وَخَالَفَ عَنَّا عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ وَمَنْ مَعَهُمَا (2)، فبَيْنَمَا نَحْنُ في مَنْزِلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، إِذْ رَجُلٌ يُنَادِي مِنْ وَرَاءِ الْجِدَارِ: اخْرُجْ إِلَيَّ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ.
فَقُلْتُ: إِلَيْكَ عَنِّي، فَإِنَّا مَشَاغِيلُ عَنْكَ.
فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ حَدَثَ أَمْر لَابُدَّ مِنْكَ فِيهِ، إِنَّ الْأَنْصَارَ قَدِ اجْتَمَعُوا في سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ، فَأَدْرِكُوهُمْ قَبْلَ أَنْ يُحْدِثُوا أَمْرًا، فَيَكُونُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ حَرْبٌ.
فَقُلْتُ لِأَبِي بَكْرٍ: يَا أَبَا بَكْرٍ انْطَلِقْ بِنَا إلى إِخْوَانِنَا هَؤُلَاءِ مِنَ الْأَنْصَارِ،
(1) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (14/ 118): أي لم يجتمعوا معنا في بيت رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.
(2)
هذه رواية البخاري في صحيحه. زاد ابن إسحاق في السيرة (4/ 314): وطلحة بن عبيد اللَّه.
فَانْطَلَقْنَا نُرِيدُهُمْ (1)، فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنْهُمْ لَقِيَنَا مِنْهُمْ رَجُلَانِ (2) صَالِحَانِ فَذَكَرَا لَنَا مَا تَمَالَأَ (3) عَلَيْهِ الْقَوْمُ، فَقَالَا: أَيْنَ تُرِيدُونَ يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ؟ .
فَقُلْتُ: نُرْيدُ إِخْوَانَنَا هَؤُلَاءِ مِنَ الْأَنْصَارِ.
فَقَالَا: لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَقْرَبُوهُمْ، يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ اقْضُوا أَمْرَكُمْ (4).
فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَنَأتِيَنَّهُمْ، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَاهُمْ في سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ، فَإِذَا هُمْ مُجْتَمِعُونَ، وَإِذَا بَيْنَ ظَهْرَانِيهِمْ (5) رَجُلٌ مُزَمَّلٌ (6)، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟
فَقَالُوا: سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ.
فَقُلْتُ: مَا لَهُ؟ .
قَالُوا: يُوعَكُ (7)، فَلَمَّا جَلَسْنَا قَلِيلًا تَشَهَّدَ خَطِيبُهُمْ، فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ
(1) في رواية ابن حبان في صحيحه - رقم الحديث (414) بسند صحيح قال عمر رضي الله عنه: فانطلقنا نؤمهم، فلقينا أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه، فأخذ أبو بكر بيده، فمشى بيني وبينه.
(2)
سمى ابن إسحاق في السيرة (4/ 317) الرجلان: هما عويم بن ساعدة، ومعن بن عدي رضي الله عنهما، وهما من الأنصار، وممن شهد غزوة بدر الكبرى.
(3)
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (14/ 119): تمالأ: بفتح اللام والهمزة أي اتفق.
(4)
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (14/ 119): يؤخذ من هذا أن الأنصار كلها لم تجتمع على سعد بن عبادة رضي الله عنه.
قلت: سيأتي خبر زيد بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه، ما يؤيد كلام الحافظ.
(5)
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (14/ 119): أي وسطهم.
(6)
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (14/ 119): مُزمَّل: بضم الميم الأولى وتشديد الميم المفتوحة: أي مُلَفَّف.
(7)
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (14/ 119): يُوعك: بضم الياء أي يحصل له الوعك، وهو الحمى.
وفي رواية الإِمام أحمد في مسنده: وجع.
عَزَّ وَجَلَّ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فنَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ عز وجل، وَكَتِيبَةُ الْإِسْلَامِ، وَأَنْتُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ رَهْطٌ مِنَّا، وَقَدْ دَفَّتْ دَافَّةٌ (1) مِنْ قَوْمِكُمْ، فَإِذَا هُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَخْتَزِلُونَا (2) مِنْ أَصْلِنَا، وَيَحْضِنُونَا (3) مِنَ الْأَمْرِ.
قَالَ عُمَرُ رضي الله عنه: فَلَمَّا سَكَتَ أَرَدْتُ أَنْ أَتكَلَّمَ، وَكُنْتُ قَدْ زَوَّرْتُ (4) مَقَالَةً أَعْجَبَتْنِي أَرَدْتُ أَنْ أُقَدِّمَهَا بَيْنَ يَدَيْ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه، وَكُنْتُ أُدَارِي مِنْهُ بَعْضَ الْحَدِّ (5).
فَلَمَّا أَرَدْتُ أَنْ أَتكَلَّمَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه: عَلَى رِسْلِكَ (6)، فكَرِهْتُ أَنْ أُغْضِبَهَ، فتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ كَانَ هُوَ أَحْلَمَ (7) مِنِّي وَأَوْقَرَ، وَاللَّهِ مَا تَرَكَ مِنْ كَلِمَةٍ أَعْجَبتْنِي في تَزْوِيرِي إِلَّا قَالَ في بَدِيهَتِهِ مِثْلَهَا، أَوْ أَفْضَلَ مِنْهَا حَتَّى سَكَتَ.
(1) الدَّافَّةُ: القوم يسيرون جماعة سيرًا ليس بالشديد. انظر النهاية (2/ 117).
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (14/ 120): يريد أنكم قوم غرباء أقبلتم من مكة إلينا، ثم أنتم تريدون أن تستأثروا علينا.
(2)
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (14/ 120): يختزلونا: أي يقتطعونا عن الأمر، وينفردوا به دوننا. وفي رواية ابن إسحاق في السيرة (4/ 316): يحتازونا.
(3)
في رواية ابن إسحاق في السيرة (4/ 316): يغصبونا.
(4)
زَوَّرْتُ: أي هَيَّأْتُ وأَصْلَحْتُ. انظر النهاية (2/ 287).
(5)
الحَدُّ والحِدَّةُ سواء: مِنْ الغضبِ، يقال: حّدَّ يَحِدُّ حدًا: إذا غضب. انظر النهاية (1/ 340). وفي رواية ابن حبان في صحيحه - رقم الحديث (414): الحِدَّة.
(6)
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (14/ 120): رِسلك: بكسر الراء أي على مهلك.
(7)
هذه رواية البخاري في صحيحه. وفي رواية الإِمام أحمد في مسنده: أعلم.
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه بَعْدَ أَنْ تَشَهَّدَ، وَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ: أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا الْأَنْصَارُ، مَا ذَكَرْتُمْ فِيكُمْ مِنْ خَيْرٍ، فَأَنْتُمْ له أَهْلٌ، وَلَنْ تَعْرِفَ الْعَرَبُ هَذَا الأَمْرَ إِلَّا لِهَذَا الْحَيِّ مِنْ قُرَيْشٍ، هُمْ أَوْسَطُ (1) الْعَرَبِ نَسَبًا، وَدَارًا (2).
وَفِي رِوَايَةِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ في مُسْنَدِهِ قَالَ عُمَرُ رضي الله عنه: فتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ، وَلَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا أُنْزِلَ في الْأَنْصَارِ، وَلَا ذَكَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ شَأْنِهِمْ، إِلَّا وَذَكَرَهُ، وَقَالَ: لَقَدْ عَلِمْتُمْ اَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَاديًا، وَسَلَكَتِ الْأَنْصَارُ وَاديًا، سَلَكْتُ وَادِيَ الْأَنْصَارِ"(3)، وَلقدْ عَلِمْتَ يَا سَعْدُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ، وَأَنْتَ قَاعِدٌ:"قُريْشٌ وُلَاةُ هَذَا الْأَمْرِ، فَبَرُّ النَّاسِ تَبَعٌ لِبَرَهِمْ، وَفَاجِرُهُمْ تَبَعٌ لِفَاجِرِهِمْ"، فَقَالَ له سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ رضي الله عنه: صَدَقْتَ، نَحْنُ الْوُزَرَاءُ، وَأَنْتُمُ الْأُمَرَاءُ (4).
فَقَالَ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْأَنْصَارِيُّ رضي الله عنه: أَنَا جُذَيْلُهَا (5) الْمُحَكَّكُ،
(1) أَوْسَط: أي خيارهم. انظر النهاية (5/ 160).
(2)
أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الحدود - باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت - رقم الحديث (6830) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (391) - وابن حبان في صحيحه - كتاب البر والإحسان - باب حق الوالدين - رقم الحديث (414).
(3)
هذا الحديث رواه البخاري في صحيحه - كتاب مناقب الأنصار - باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار" - رقم الحديث (3779) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (8169).
(4)
أخرج ذلك الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (18) - وهو صحيح لغيره.
(5)
الجُذَيْلُ: هو تصغير جِذْلٍ، وهو العود الذي يُنصب للإبل الجربي لتحتك به، وهو تصغير تعظيم؛ أي أنا ممن يستشفى برأيه كما تستشفى الإبل الجربى بالاحتكاك بهذا العود. انظر النهاية (1/ 243).