الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فَقُلْتُ: أَتَعْلَمِينَ أَنَّ عَلَى الْبَابِ لَرَجُلًا مَا هُوَ بِأَبِي وَلَا بِأَبِيكِ، فَانْظُرِي مَنْ هُوَ؟
فَإِذَا هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رضي الله عنه، فَدَخَلَ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم:"ادْنُهْ" ثَلَاثًا، حَتَّى اتَّكَأَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِيَدِهِ، فَجَعَلَهَا مِنْ وَرَاءِ عُنُقِهِ، ثُمَّ سَارَّهُ، فَلَمَّا فَرَغَ، قَالَ: فَهِمْتُ.
قَالَ: سَمِعَتْ أُذُنَايَ وَوَعَى قَلْبِي حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم (1).
*
خُطْبَةُ مَرَضِ الْمَوْتِ:
وَهِيَ آخِرُ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَبْلَ وَفَاتِهِ صلى الله عليه وسلم بِخَمْسَةِ أَيَّامٍ اشْتَدَّ الْوَجَعُ بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَارْتَفَعَتْ حَرَارَتُهُ حَتَّى أُغْمِيَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَفَاقَ صلى الله عليه وسلم مِنَ الْإِغْمَاءِ قَالَ: "هَرِيقُوا عَلَيَّ سبْعَ (2) قِرَبٍ لَمْ تُحْلَلَ
(1) أخرجه الإِمام أحمد في فضائل الصحابة - رقم الحديث (835).
(2)
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (8/ 489): قيل الحكمة في هذا العدد أن له خاصية في دفع ضرر السم والسحر، وقد ثبت:
* في صحيح البخاري - رقم الحديث (5769) - ومسلم في صحيحه - رقم الحديث (2047)(155) عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قال رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "من تَصَبَّح بسبع تمرات، عجوة، لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر".
* وروى مسلم في صحيحه - رقم الحديث (2202) عن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه أنه شكى إلى رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وجعًا يجده في جسده منذ أسلم، فقال له رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"ضع يدك على الذي تألّم من جسدك، وقيل: باسم اللَّه ثلاثًا، وقيل: سبع مرات: أعوذ باللَّه وقدرته من شر ما أجد وأحاذر". =
أَوْكِيَتُهُنَّ (1) مِنْ آبَارٍ شَتَّى، لَعَلِّي أَسْتَرِيحُ، فَأَعْهَدَ إِلَى النَّاسِ".
فَجِيءَ بِالْقِرَبِ، فَأَجْلَسُوا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي مِخْضَبٍ (2) مِنْ نُحَاسٍ لِحَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ رضي الله عنها، وَصَبُّوا عَلَيْهِ الْمَاءَ، حَتَّى طَفِقَ (3) يُشِيرُ إِلَيْهِمْ أَنْ قَدْ فَعَلْتُنَّ (4).
= * وروى الإِمام أحمد في مسنده بسند صحيح - رقم الحديث (2137) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "ما من عبد مسلم يعود مريضًا لم يحضر أجله، فيقول سبع مرات: أسأل اللَّه العظيم، رب العرش العظيم أن يشفيك، إلا عوفي".
* وروى الترمذي في جامعه - رقم الحديث (2092) - وابن ماجه في سننه - رقم الحديث (2156) بسند صحيح - وأصله في صحيح البخاري - رقم الحديث (2276) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: بعثنا رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في سرية، فنزلنا بقوم، فسألناهم القِرى -أي الضيافة- فَلُدِغ سيدهم، فأتونا، فقالوا: هل فيكم من يرقى من العقرب؟ قلت: نعم، أنا. . . فقرأت عليه: الحمد للَّه رب العالمين سبع مرات، فبرأ. . . .
(1)
الوِكاء: بكسر الواو هو الخيط الذي تشد به رأس القربة. انظر النهاية (5/ 193).
ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: "لم تُحْلَلَ أوكيتهن": لأن الماء الذي لم يُحلل عنه الوكاء يكون أطهر لعدم وصول الأيدي إليه.
(2)
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (1/ 402): المِخْضَب: بكسر الميم وسكون الخاء وفتح الضاد هو الإناء الذي يغسل فيه الثياب.
(3)
طَفِقَ: جعل. انظر النهاية (3/ 118).
(4)
في رواية ابن إسحاق في السيرة (4/ 306): قال رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "حسبكم حسبكم". ومعنى حسبكم أي كفاكم. انظر لسان العرب (3/ 162).
وأخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الوضوء - باب الغسل والوضوء في المخضب - رقم الحديث (198) - وأخرجه في كتاب المغازي - باب مرض النبي صلى الله عليه وسلم ووفاته - رقم الحديث (4442) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (25179) - وابن حبان في صحيحه - كتاب التاريخ - باب مرض النبي صلى الله عليه وسلم رقم الحديث (6596).
فَعِنْدَ ذَلِكَ أَحَسَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِخِفَّةٍ، فَخَرَجَ مُتَوَكِّئًا عَلَى الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ رضي الله عنهما، عَاصِبًا رَأْسَهُ بِعِصَابَةٍ (1) دَسْمَاءَ (2)، وَعَلَيْهِ مَلْحَفَةٌ مُتَعَطِّفًا بِهَا عَلَى مَنْكِبَيْهِ، حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، وَلَمْ يَصْعَدْهُ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ، ثُمَّ جَلَسَ -وَالنَّاسُ مُجْتَمِعُونَ حَوْلَهُ-، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ أَنْ حَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَاسْتَغْفَرَ لِلشُّهَدَاءِ الذِينَ قُتِلُوا يَوْمَ أُحُدٍ (3)، ثُمَّ قَالَ صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ عَبْدًا خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا مَا شَاءَ، وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ"، فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه، وَقَالَ: فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وأمهاتنا، فَعَجِبَ الصَّحَابَةُ رضي الله عنهم، وَقَالُوا: مَا يُبْكِي هَذَا الشَّيْخَ! إِنْ يَكُنِ اللَّهُ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ.
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ رضي الله عنه رَاوِي الْحَدِيثِ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم هُوَ الْعَبْدُ (4)، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا.
(1) هذه رواية البخاري في صحيحه - رقم الحديث (3800) - وابن حبان في صحيحه - رقم الحديث (6593).
وفي رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث (467) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (2432)(3800): خرقة.
(2)
الدسماء: السوداء. انظر النهاية (2/ 110).
(3)
أخرج استغفاره صلى الله عليه وسلم لشهداء أُحد: ابن حبان في صحيحه - كتاب التاريخ - باب مرض النبي صلى الله عليه وسلم رقم الحديث (6596) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (21951) - وإسناده صحيح.
(4)
في رواية أخرى في الصحيح: المخيّر.
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "يَا أَبَا بَكْرٍ لَا تَبْكِ، إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صَحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا مِنْ أُمَّتِي لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ وَمَوَدَّتُهُ، لَا يَبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ بَابٌ إِلَّا سُدَّ، إِلَّا بَابُ أَبِي بَكْرٍ"(1).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي الصَّحِيحِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "سُدُّوا عَنِّي كُلَّ خَوْخَةٍ (2) فِي هَذَا الْمَسْجِدِ غَيْرَ خَوْخَةِ أَبِي بَكْرٍ"(3).
(1) أخرج ذلك كله: البخاري في صحيحه - كتاب الصلاة - باب الخوخة والممر في المسجد - رقم الحديث (466) - وأخرجه في كتاب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "سدوا الأبواب إلا باب أبي بكر" - رقم الحديث (3654) - ومسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب من فضائل أبي بكر الصديق رضي الله عنه رقم الحديث (2382) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (2432) - وابن حبان في صحيحه - كتاب التاريخ - باب مرض النبي صلى الله عليه وسلم رقم الحديث (6594)(6860)(6861).
(2)
الْخَوْخَة: باب صغير كالنافذة الكبيرة. انظر النهاية (2/ 81).
(3)
أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الصلاة - باب الخوخة والممر في المسجد - رقم الحديث (467) - ومسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب من فضائل أبي بكر الصديق رضي الله عنه رقم الحديث (2382).
قال الخطابي وابن بطال وغيرهما فيما نقله عنهم الحافظ في الفتح (7/ 362): في هذا الحديث اختصاص ظاهر لأبي بكر رضي الله عنه، وفيه إشارة قوية إلى استحقاقه للخلافة، ولا سيما وقد ثبت أن ذلك كان في آخر حياة رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في الوقت الذي أمرهم فيه أن لا يؤمهم إلا أبو بكر، وقد ادعى بعضهم أن الباب كناية عن الخلافة، والأمر بالسد كناية عن طلبها، كأنه قال: لا يطلبن أحد الخلافة إلا أبا بكر، فإنه لا حرج عليه في طلبها، وإلى هذا جنح ابن حبان، فقال بعد أن أخرج هذا الحديث: في هذا دليل على أنه الخليفة بعد النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه حسم بقوله: "سدوا عني كل خوخة في المسجد" أطماع الناس كلهم عن أن يكونوا خلفاء بعده.
ثُمَّ أَوْصَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالْأَنْصَارِ رضي الله عنهم فَقَالَ: "أُوصِيكُمْ بِالْأَنْصَارِ، فَإِنَّهُمْ كُرْشِي (1) وَعَيْبَتِي (2)، وَقَدْ قَضَوُا الذِي عَلَيْهِمْ (3)، وَبَقِي الذِي لَهُمْ، فَاقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَتَجَاوَزُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ"(4).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ النَّاسَ يَكْثُرُونَ وَتَقِلُّ الْأَنْصَارُ حَتَّى يَكُونُوا كَالْمِلْحِ فِي الطَّعَامِ، فَمَنْ وَلِيَ مِنْكُمْ أَمْرا يَضُرُّ فِيهِ أَحَدًا أَوْ يَنْفَعُهُ، فَلْيَقْبَلْ مِنْ مُحْسِنِهِمْ وَيَتَجَاوَزْ عَنْ مُسِيئِهِمْ"(5).
ثُمَّ ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَضْلَ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رضي الله عنه وَأَنَّهُ خَلِيقٌ لِلْإِمَارَةِ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: "إِنْ تَطْعَنُوا فِي إِمَارَتهِ، فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ فِي إِمَارَةِ أَبِيهِ مِنْ قَبْلِهِ، وَايْمُ
(1) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (7/ 498): أي بِطَانَتِي وخَاصَّتي الذين أثق بهم، وأعتمدهم في أموري.
(2)
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (7/ 498): الْعَيْبَةُ: بفتح العين: هو المستودع الذي يضع فيه الرجل نفيس ما عنده.
(3)
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (7/ 498): يشير صلى الله عليه وسلم إلى ما وقع لهم ليلة العقبة من المبايعة، فإنهم بايعوا على أن يؤوا النبي صلى الله عليه وسلم وينصروه على أن لهم الجنة، فوفوا بذلك.
(4)
أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب مناقب الأنصار- باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "اقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم" - رقم الحديث (3799) - ومسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب من فضائل الأنصار رضي الله عنهم رقم الحديث (2510) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (21951).
(5)
أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب مناقب الأنصار - باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "اقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم" - رقم الحديث (3800) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (2629).