الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَبْكُونَ، وَيَقُولُونَ: وَاللَّهِ! مَا قُلْنَا الذِي قُلْنَا إِلَّا الضِّنَّ (1) بِاللَّهِ وَبِرَسُولهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ:"إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُصَدِّقَانِكُمْ وَيَعْذِرَانِكُمْ".
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: فَوَاللَّهِ مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا بَلَغَ نَحْرَهُ بِالدُّمُوعِ (2).
*
بَيْعَةُ أَهْلِ مَكَّةَ:
وَاجْتَمَعَ النَّاسُ بِمَكَّةَ لِبَيْعَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَجَلَسَ لَهُمْ عَلَى الصَّفَا، وَعُمَرُ بنُ الخَطَّاب رضي الله عنه تَحْتَهُ، أَسْفَلَ مِنْ مَجْلِسِهِ يَأْخُذُ عَلَى النَّاسِ، فَجَاءَهُ الكِبَارُ وَالصِّغَارُ، الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ، فَبَايَعُوهُ عَلَى الإِسْلَامِ، وَعَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِيمَا اسْتَطَاعُوا.
رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَد بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ مُحَمَّدِ بنِ الأَسْوَدِ بنِ خَلَفٍ، قَالَ: أَنَّ أَبَاهُ الأَسْوَدَ رَأَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يُبَايِعُ النَّاسَ يَوْمَ الفَتْحِ، قَالَ: جَلَسَ عِنْدَ قَرْنِ مَسْفَلَةٍ (3)، فَبَايَعَ النَّاسَ عَلَى الإِسْلَامِ وَالشَّهَادَةِ، قُلْتُ: وَمَا الشَّهَادَةُ؟
قَالَ: بَايَعَهُمْ عَلَى الإِيمَانِ بِاللَّهِ، وَشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوله (4).
وَرَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ مُجَاشِعٍ بنِ مَسْعُودٍ السُّلَمِيِّ قَالَ:
(1) الضِّن: بكسر الضاد: أي بخلًا به وشحًا أن يُشاركنا فيه غيرنا. انظر النهاية (3/ 95).
(2)
أخرج ذلك الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب فتح مكة - رقم الحديث (1780) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (10948) - والحاكم فِي المستدرك - كتاب البيوع - باب مكة مناخ لا يباع رباعه - رقم الحديث (2375).
(3)
قال السندي في شرح المسند (8/ 290): قَرْنِ مَسْفَلة: فِي "القاموس" في مادة السين والفاء: المسفلة: محلة بأسفل مكة.
(4)
أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (15431).
أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بِأَخِي بَعْدَ الفَتْحِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، جِئْتُكَ بِأَخِي لِتُبَايِعَهُ عَلَى الهِجْرَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"ذَهَبَ أَهْلُ الهِجْرَةِ بِمَا فِيهَا"، فَقُلْتُ: عَلَى أَيِّ شَيْءٍ تُبَايِعُهُ؟
قَالَ صلى الله عليه وسلم: "أُبايِعُهُ عَلَى الإِسْلَامِ، وَالإِيمَانِ، وَالجِهَادِ"(1)
وَرَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَالطَّحَاوِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ بِالشَّوَاهِدِ عَنْ يَعْلَى بنِ أُمَيَّةَ رضي الله عنه قَالَ: جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَبِي أُمَيَّةُ يَوْمَ الفَتْحِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَايِعْ أَبِي عَلَى الهِجْرَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"بَلْ أُبَايِعُهُ عَلَى الجِهَادِ، فَقَدِ انْقَطَعَتِ الهِجْرَةُ"(2).
وَرَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا -وَاللَّفْظُ لِابْنِ حِبَّانَ- عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: "لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ، أَوْ قَالَتْ: بَعْدَ الْيَوْمِ، إِنَّمَا كَانَ النَّاسُ يَفِرُّونَ بِدِينِهِمْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولهِ مِنْ أَنْ يُفْتَنُوا (3)، وَقَدْ أَفْشَى اللَّهُ
(1) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب المغازي - باب مقام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة زمن الفتح - رقم الحديث (4305)(4306) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الإمارة - باب المبايعة بعد فتح مكة علي الإسلام - رقم الحديث (1863)(84).
(2)
أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (17958) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (2621)(2622) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (9214) - وأورد طرق هذا الحديث الحافظ ابن حجر في الإصابة (1/ 268) وقال: وهذه أسانيد يُقوِّي بعضها بعضًا.
(3)
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (7/ 635): أشارت عائشة رضي الله عنها إلى بيان مشروعية الهجرة وأن سببها خوف الفتنة.
الإِسْلَامَ، فَحَيْثُ شَاءَ العَبْدُ عَبَدَ رَبَّهُ" (1).
وَرَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ الْفتْحِ فَتْحِ مَكَّةَ: "لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ (2)، وَلَكِنْ جِهَاد وَنيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا"(3).
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَهَذ الأَحَادِيثُ وَالآثَارُ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الهِجْرَةَ إِمَّا الكَامِلَةُ أَوْ مُطْلَقًا قَدِ انْقَطَعَتْ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ؛ لِأَنَّ النَّاسَ دَخَلُوا فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، وَظَهَرَ الإِسْلَامُ، وَثَبُتَتْ أَرْكَاُنهُ وَدَعَائِمُهُ، فَلَمْ تَبْقَ هِجْرَةٌ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَعْرِضَ حَالٌ يَقْتَضِي الهِجْرَةَ، بِسَبَبِ مُجَاوَرَةِ أَهْلِ الحَرْبِ، وَعَدَمِ القُدْرَةِ عَلَى إِظْهَارِ الدِّينِ عِنْدَهُمْ، فتَجِبُ الهِجْرَةُ إِلَى دَارِ الإِسْلَامِ، وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ العُلَمَاءِ، وَلَكِنْ هَذِهِ الهِجْرَةُ لَيْسَتْ كَالهِجْرَةِ قَبْلَ الفَتْحِ، كَمَا أَنَّ كُلًّا مِنَ الجِهَادِ وَالإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَشْرُوعٌ، وَرُغِّبَ فِيهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَلَيْسَ
(1) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب مناقب الأنصار - باب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة - رقم الحديث (3900) - وابن حبان في صحيحه - كتاب السير - باب الهجرة - رقم الحديث (4867).
(2)
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (6/ 122): والمعنى أن الهجرة التي هي مفارقة الوطن التي كانت مطلوبة علي الأعيان إلى المدينة انقطعت، إِلَّا أن المفارقة بسبب الجهاد باقية، وكذلك المفارقة بسبب نية صالحة كالفرار من دار الكفر، والخروج في طلب العلم، والفرار بالدين من الفتن والنية في جميع ذلك.
(3)
أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب وجوب النفير - رقم الحديث (2825) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب تحريم مكة وصيدها - رقم الحديث (1353) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (1991).