الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بَعْثُ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ إِلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ
بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ إِلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ -وَهُمْ قَوْمُ جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ رضي الله عنها زَوْجَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِأَخْذِ صَدَقَاتِهمْ، وَكَانُوا قَدْ أَسْلَمُوا -وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ مُفَصَّلًا في غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ-.
رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ بِالشَّوَاهِدِ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ ضِرَارٍ، قَالَ: . . . بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْوَليدَ بْنَ عُقْبَةَ إِلَى الْحَارِثِ (1)؛ لِيَقْبِضَ مَا كَانَ عِنْدَهُ مِمَّا جَمَعَ مِنَ الزَّكَاةِ، فَلَمَّا أَنْ سَارَ الْوَلِيدُ حَتَّى بَلَغَ بَعْضَ الطَّرِيقَ، فَرِقَ (2)، فَرجَعَ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: يَا رَسُول اللَّهِ! إِنَّ الحَارِثَ مَنَعَنِي الزَّكَاةَ، وَأَرَادَ قَتْلِي، فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْبَعْثَ (3) إِلَى الْحَارِثِ، فَأَقْبَلَ الْحَارِثُ بِأَصْحَابِهِ إِذِ اسْتَقْبَلَ الْبَعْثَ، فَقَالُوا: هَذَا الْحَارِثُ، فَلَمَّا غَشِيَهُمْ، قَالَ لَهُمْ: إِلَى مَنْ بُعِثْتُمْ؟ ، قَالُوا: إِلَيْكَ، قَالَ: وَلِمَ؟ قَالُوا: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ
(1) هو الحارث بن أبي ضرار، سيد بني المصطلق، وأبو جويرية زوجة رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.
(2)
الفرَقُ: بالتحريك: الْخَوْفُ والفزَعُ. انظر النهاية (3/ 392).
(3)
الْبَعْثُ: أي أَرْسَلَ جيشًا.
بَعَثَ إِلَيْكَ الْوَليدَ بْنَ عُقْبَةَ، فَزَعَمَ أَنَّكَ مَنَعْتَهُ الزَّكَاةَ، وَأَرَدْتَ قَتْلَهُ! قَالَ: لَا وَالذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ، مَا رَأَيْتُهُ بَتَّةً، وَلَا أَتَانِي! فَلَمَّا دَخَلَ الْحَارِثُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَهُ:"مَنَعْتَ الزَّكَاةَ وَأَرَدْتَ قَتْلَ رَسُولِي؟ ! "، قَالَ: لَا وَالذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، مَا رَأَيْتُهُ وَلَا أَتَانِي، وَمَا أَقْبَلْتُ إِلَّا حِينَ احْتَبَسَ عَلَيَّ رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، خَشِيتُ أَنْ تَكُونَ كَانَتْ سَخْطَةٌ مِنَ اللَّهِ عز وجل وَرَسُولِهِ، فنَزَلَتْ:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6) وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (1).
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: ذَكَرَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ في الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، حِينَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم علَى صَدَقَاتِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ. . . وَكَذَا ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ، مِنْهُمْ: ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَيَزِيدُ بْنُ رُومَانَ، وَالضَّحَّاكُ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ، وَغَيْرُهُمْ في هَذِهِ الْآيَةِ: أَنَّهَا نَزَلَتْ في الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (2).
(1) سورة الحجرات آية (6 - 8). والحديث أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (18459).
(2)
انظر تفسير ابن كثير (7/ 370 - 372).
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ فِيمَا عَلِمْتُ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ} نَزَلَتْ في الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ (1).
* * *
(1) انظر الاستيعاب (4/ 114).