الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
صَبَأْنَا، وَلَمْ يَفْهَمْ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ أَسْلَمُوا فَقتَل طَائِفَةً كَثِيرَةً مِنْهُمْ وَأَسَرَ بَقِيَّتَهُمْ، وَقَتَلَ أَكْثَرَ الأَسْرَى أَيْضًا، وَمَعَ هَذَا لَمْ يَعْزِلْهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، بَلِ اسْتَمَرَّ بِهِ أَمِيرًا، وَإِنْ كَانَ قَدْ تَبْرَّأَ مِنْهُ فِي صَنِيعِهِ ذَلِكَ، وَوَدَى مَا كَانَ جَنَاهُ خَطَأً فِي دَمٍ أَوْ مَالٍ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَعْزِلْهُ الصِّدِّيقُ رضي الله عنه حِينَ قَتَلَ مَالِكَ بنَ نويْرَةَ أَيَّامَ الرِّدَّةِ، وَتَأَوَّلَ عَلَيْهِ مَا تَأَوَّلَ حِينَ ضَرَبَ عُنُقَهُ، وَاصْطفَى امْرَأَتَهُ أُمَّ تَمِيمٍ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رضي الله عنه: اعْزِلْهُ فَإِنَّ فِي سَيْفِهِ رَهَقًا (1)، فَقَالَ الصِّدِّيقُ رضي الله عنه: لَا أُغْمِدُ سَيْفًا سَلَّهُ اللَّهُ عَلَى المُشْرِكِينَ (2).
وَقَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَالذِي يَظْهَرُ أَنَّ التَّبَرُّؤَ مِنَ الفِعْلِ لَا يَسْتَلْزِمُ إِثْمَ فَاعِلِهِ، وَلَا إِلْزَامَهُ الغَرَامَةَ، فَإِنَّ إِثْمَ المُخْطِئِ مَرْفُوعٌ، وَإِنْ كَانَ فِعْلَهُ لَيْسَ بِمَحمودٍ (3).
*
النِّزَاعُ بَيْنَ خَالِدِ بنِ الوَلِيدِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ رضي الله عنهما:
وَوَقَعَ بَيْنَ خَالِدِ بنِ الوَليدِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ رضي الله عنهما، شَرٌّ بِسَبَبِ ذَلِكَ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَوْفٍ رضي الله عنه: عَمِلْتَ بِأَمْرِ الجَاهِلِيَّةِ فِي الإِسْلَامِ.
فَقَالَ لَهُ خَالِدٌ رضي الله عنه: إِنَّمَا ثَأَرْتُ لِأَبِيكَ.
(1) رهقًا: عجلة. انظر النهاية (2/ 258).
(2)
انظر البداية والنهاية (4/ 710).
(3)
انظر فتح الباري (15/ 90).
فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَوْفٍ رضي الله عنه: كَذَبْتَ، قَدْ قتَلْتَ قَاتِلَ أَبِي، وَلَكِنَّكَ ثَأَرْتَ بِعَمِّكَ الفَاكِهِ بنِ المُغِيرَةِ.
فَسَبَّ خَالِدٌ رضي الله عنه عَبْدَ الرَّحْمَنِ بنَ عَوْفٍ رضي الله عنه، فشَكَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَوْفٍ رضي الله عنه خَالِدَ بنَ الوَليدِ رضي الله عنه إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"يَا خَالِدُ، لِمَ تُؤْذِي رَجُلًا مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ؟ لَوْ أَنْفَقْتَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا لَمْ تُدْرِكْ عَمَلَهُ".
فَقَالَ خَالِدٌ رضي الله عنه: يَا رَسُولَ اللَّهِ! يَقَعُونَ فِيَّ، فَأَرُدُّ عَلَيْهِمْ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "لَا تُؤْذُوا خَالِدًا، فَإِنَّهُ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ صَبَّهُ اللَّه عَلَى الكُفَّارِ"(1).
وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"مَهْلًا يَا خَالِدُ، دَعْ عَنْكَ أَصْحَابِي، فَوَاللَّهِ لَوْ كَانَ لَكَ أُحُدٌ ذَهَبًا، ثُمَّ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، مَا أَدْرَكْتَ غَدْوَةَ (2) رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِي وَلَا رَوْحَتَهُ"(3).
وَفِي رِوَايةٍ أُخْرَى، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "لَا تَسُبُّوا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِي،
(1) أخرج ذلك ابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره صلى الله عليه وسلم عن مناقب الصحابة - باب ذكر خالد بن الوليد رضي الله عنه رقم الحديث (7091) - والإمام أحمد فِي فضائل الصحابة - رقم الحديث (13) - وإسناده صحيح.
(2)
الغَدْوة: هو سير أول النهار. انظر النهاية (3/ 311).
(3)
انظر سيرة ابن هشام (4/ 80). والرَّوْحَة: السير بعد الزوال. انظر النهاية (2/ 248).