الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الأَحْدَاثُ بَيْنَ غَزْوَةِ الطَّائِفِ وَغَزْوَةِ تَبُوكَ
قُدُومُ كَعْبِ بْنِ زُهَير بْنِ أَبِي سُلْمَى وَإِسْلامُهُ:
ذَكَرْنَا فِيمَا مَضَى أَنَّ كَعْبَ بْنَ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَى مِمَّنْ أَهْدَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم دَمَهُ، لِأَنَّهُ كَانَ يَهْجُوهُ بِشِعْرِهِ، وَكَانَ شَاعِرًا مُخَضْرَمًا، وَكَانَ أَبُوهُ زُهَيْرَ بْنَ أَبِي سُلْمَى، صَاحِبَ إِحْدَى الْمُعَلَقاتِ السَّبْعِ الْمَشْهُورَةِ، فَلَمَّا بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَهْدَرَ دَمَهُ خَافَ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَسْلَمَ، وَقِصَّتُهُ أَخْرَجَهَا الْحَاكِمُ في الْمُسْتَدْرَكِ، وَابْنُ إِسْحَاقَ في السِّيرَةِ بِإِسْنَادٍ مُنْقَطِعٍ، وَكَانَ مِنْ قِصَّتِهِ: أَنَّهُ خَرَجَ هُوَ وَأَخُوهُ بُجَيْرٌ مِنْ مَكَّةَ حَتَّى أَتَيَا أَبْرَقَ الْعُزَافِ (1)، فَقَالَ بُجَيْرٌ لِكَعْبٍ: اثْبُتْ في غَنَمِنَا هُنَا حَتَّى آتِيَ هَذَا الرَّجُلَ -يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَسْمَعَ مَا يَقُولُ، فَأَقَامَ كَعْبٌ، وَمَضَى بُجَيْرٌ، فَجَاءَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَعَرَضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ، فَأَسْلَمَ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ كَعْبًا، قَالَ:
أَلَا أَبْلِغَا عَنِّي بُجَيْرًا رِسَالَةً
…
فَهَلْ لَكَ فِيمَا قُلْتَ وَيْحَكَ هَلْ لَكَا
فَبَيِّنْ لَنَا إِنْ كُنْتَ لَسْتَ بِفَاعِلٍ
…
عَلَى أَيِّ شَيْءٍ غَيْرِ ذَلِكَ دَلَّكَا
عَلَى خُلُقٍ لَمْ تُلْفِ أُمًّا وَلَا أَبًا
…
عَلَيْهِ وَلَا تُلْفِي عَلَيْهِ أَخًا لَكَ
سَقَاكَ بِهَا الْمَأْمُونُ كَأَسًا رَوِيَّةً
…
فَأَنْهَلَكَ الْمَأْمُونُ مِنْهَا وَعَلَّكَا
(1) أَبْرَقُ الْعُزَافِ: مَاءٌ لبني أسد، وهو في الطريق المقاصد إلى المدينة من البصرة. انظر معجم البلدان (1/ 65).
وَبَعَثَ بِهَذِهِ الْأَبْيَاتِ إِلَى أَخِيهِ بُجَيْرٍ، فَلَمَّا أَتَتْ بُجَيْرًا كَرِهَ أَنْ يَكْتُمَهَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا عَلِمَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"مَنْ لَقِيَ كَعْبًا فَلْيَقْتُلْهُ".
فَلَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَكَّةَ، وَرَجَعَ مِنْ غَزْوَةِ الطَّائِفِ كتَبَ بُجَيْرٌ إِلَى أَخِيهِ كَعْبٍ بِذَلِكَ، وَذَكَرَ لَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَتَلَ رِجَالًا بِمَكَّةَ مِمَّنْ كَانَ يَهْجُوهُ وَيُؤْذِيهِ، فَإِنْ كَانَتْ لَكَ في نَفْسِكَ حَاجَةٌ فَطِرْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَإِنَّهُ لَا يَقْتُلُ أَحَدًا جَاءَهُ مُسْلِمًا، وَإِنْ أَنْتَ لَمْ تَفْعَلْ فَانْجُ بِنَفْسِكَ، وَمَا أَرَاكَ تُفْلِتُ، ثُمَّ كتَبَ إِلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ أَبْيَاتًا مِنْهَا:
مَنْ مُبَلِّغٌ كَعْبًا فَهَلْ لَكَ في التِي
…
تَلُومُ عَلَيْهَا بَاطِلًا وَهِيَ أَحْزَمُ
إِلَى اللَّهِ لَا الْعُزَّى وَلَا اللَّاتِ، وَحْدَهُ
…
فَتَنْجُو إِذَا كَانَ النَّجَاءُ وَتَسْلَمُ
لَدَى يَوْمٍ لَا يَنْجُو وَلَيْسَ بِمُفْلَتٍ
…
مِنَ النَّاسِ إِلَّا طَاهِرُ القلْبِ مُسْلِمُ
وَقَالَ لَهُ: اعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَا يَأْتِيهِ أَحَدٌ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ إِلَّا قَبِلَ ذَلِكَ مِنْهُ، فَإِذَا جَاءَكَ كِتَابِي هَذَا فَأَسْلِمْ، وَأَقْبِلْ.
فَلَمَّا بَلَغَ كَعْبًا الْكِتَابُ ضَاقَتْ بِهِ الْأَرْضُ، وَأَشْفَقَ عَلَى نَفْسِهِ، وَأَرْجَفَ (1) بِهِ مَنْ كَانَ في حَاضِرِهِ مِنْ عَدُوِّهِ، فَقَالُوا: هُوَ مَقْتُولٌ، فَلَمَّا لَمْ يَجِدْ مِنْ شَيْءٍ بُدًّا أَسْلَمَ، وَقَالَ قَصِيدَتَهُ الرَّائِعَةَ التِي يَمْدَحُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَالْمَعْرُوفَةُ بِاسْمِ "بَانَتْ سُعَادُ"، ذَكَرَ فِيهَا خَوْفَهُ وَإِرْجَافَ الْوُشَاةِ (2) بِهِ مِنْ عَدُوِّهِ، ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى
(1) أَرْجَفَ القَومُ: إذا خَاضُوا في الأخبارِ السّيئةِ، وذكر الفتن. انظر لسان العرب (5/ 153).
(2)
الْوَاشِي: النَّمَّامُ. انظر لسان العرب (15/ 313).
قَدِمَ الْمَدِينَةَ، وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي الصُّبْحَ، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ صَلَاتِهِ أَتَاُه كَعْبٌ، وَكَانَ رَسُولٌ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَا يَعْرِفُهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ كَعْبَ بْنَ زُهَيْرٍ قَدْ جَاءَ لِيَسْتَأْمِنَ مِنْكَ تَائِبًا مُسْلِمًا، فَهَلْ أَنْتَ قَابِلٌ مِنْهُ إِنْ أَنَا جِئْتُكَ بِهِ؟
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "نَعَمْ"، قَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ، فَوَثَبَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! دَعْنِي وَعَدُوَّ اللَّهِ أَضْرِبْ عُنُقَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"دَعْهُ عَنْكَ، فَإِنَّهُ قَدْ جَاءَ تَائِبًا نَازِعًا عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ"، ثُمَّ أَنْشَدَ كَعْبٌ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَصِيدَتَهُ الْمَشْهُورَةَ وَالْمَعْرُوفَةَ "بَانَتْ سُعَادُ"، يَقُولُ في مَطْلَعِهَا:
بَانَتْ سُعَادُ فَقَلْبِي الْيَوْمَ مَتْبُولُ
…
مُتَيَّمٌ إِثْرَهَا لَمْ يُفْدَ مَكْبُولُ
وَمِنْهَا:
نُبِّئْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَوْعَدَنِي
…
وَالْعَفْوُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ مَأْمُولُ
مَهْلًا هَدَاكَ الذِي أَعْطَاكَ نَافِلَةَ
…
الْقُرْآنِ فِيهَا مَوَاعِيظٌ وَتَفْصِيلُ
لَا تَأْخُذَنِّي بِأَقْوَالِ الْوُشَاةِ وَلَمْ
…
أُذْنِبْ وَلَوْ كَثُرَتْ فِيَّ الْأَقَاوِيلُ
وَمِنْهَا:
إِنَّ الرَّسُولَ لَنُورٌ يُسْتَضَاءُ بِهِ
…
مُهَنَّدٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ مَسْلُولُ
في عُصْبَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَالَ قَائِلُهُمْ
…
بِبَطْنِ مَكَّةَ لَمَّا أَسْلَمُوا زُولُوا
فَلَمَّا بَلَغَ كَعْبٌ قَوْلَهُ: إِنَّ الرَّسُولَ لَنُورٌ يُسْتَضَاءُ بِهِ. . . رَمَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بُرْدَتَهُ التِي كَانَتْ عَلَيْهِ، وَإِنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ رضي الله عنهما بَذَلَ فِيهَا عَشَرَةَ آلَافٍ، فَقَالَ كَعْبٌ: مَا كُنْتُ لِأُوثِرَ بِثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَحَدًا.
فَلَمَّا مَاتَ كَعْب بَعَثَ مُعَاوِيَةُ رضي الله عنه إِلَى وَرَثَتِهِ عِشْرِينَ أَلْفًا، فَأَخَذَهَا مِنْهُمْ، وَيُقَالُ: وَهِيَ الْبُرْدَةُ التِي عِنْدَ السَّلَاطِينِ (1).
قَالَ الْحَافِظُ الْعِرَاقِيُّ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْهُ الشَّوْكَانِيُّ: وَهَذِهِ الْقَصِيدَةُ قَدْ رَوَيْنَاهَا مِنْ طُرُقٍ لَا يَصِحُّ فِيهَا شَيْءٌ، وَذَكَرَهَا ابْنُ إِسْحَاقَ بِسَنَدٍ مُنْقَطِعٍ (2).
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: وَهَذَا مِنَ الْأَمُورِ الْمَشْهُورَةِ جِدًّا، وَلَكِنْ لَمْ أَرَ ذَلِكَ في شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ بِإِسْنَادٍ أَرْتَضِيهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (3).
* * *
(1) أخرج ذلك الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب إسلام كعب بن زهير - رقم الحديث (6536) - وابن إسحاق في السيرة (4/ 154).
(2)
انظر نيل الأوطار للشوكاني (3/ 585).
(3)
انظر البداية والنهاية (4/ 775).