الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أَخَذَ هَذِهِ الْجُبَّةَ مِنْ أُكَيْدِرَ عَنْ طَرِيقِ الِاسْتِلَابِ، فَفِيهِ نَظَرٌ، وَالصَّحِيحُ هُوَ مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا مِنْ أَنَّ أُكَيْدَرَ أَهْدَى هَذِهِ الْجُبَّةَ لِلرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَبُو يعَلَى بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ مِنْ حَدِيثِ قَيْسِ بْنِ النُّعْمَانِ: أنَّهُ لَمَّا قَدِمَ أُكَيْدَرُ أَخْرَجَ قِبَاءً (1) مِنْ ديبَاجٍ مَنْسُوجًا بِالذَّهَبِ، فَرَدَّهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَيْهِ، ثُمَّ أَنَّهُ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ مِنْ رَدِّ هَدِيَّتِهِ فَرَجَعَ بِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"ادْفَعْهُ إِلَى عُمَرَ"(2).
وَفي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ فِي صَحِيحَيْهِمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمْ يُعْطِهَا عُمَرَ رضي الله عنه لِيَلْبَسَهَا، وَلذَلِكَ كَسَاهَا عُمَرُ رضي الله عنه لِأَخٍ له كَانَ بِمَكَّةَ مُشْرِكًا (3).
*
رِسَالَةُ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم إِلَى هِرَقلَ عَظِيمِ الرُّومِ:
ثُمَّ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم دِحْيَةَ الْكَلْبِيَّ صلى الله عليه وسلم بِرِسَالَةٍ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ (4)
(1) الْقِبَاءُ: نوعٌ من أنواعِ الثيابِ. انظر لسان العرب (11/ 27).
وفي رواية ابن حبان والترمذي: جُبّة.
(2)
أورد هذا الحديث الحافظ في الفتح (5/ 552) - وقوى إسناده - وأخرجه كذلك ابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره قيس عن مناقب الصحابة - باب ذكر وصف مناديل سعد بن معاذ رضي الله عنه في الجنة - رقم الحديث (7037) - والترمذي في جامعه - كتاب اللباس - باب رقم (3) - رقم الحديث (1820) - وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(3)
أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الهبة وفضلها - باب هدية ما يكره لبسها - رقم الحديث (2612) - وأخرجه في كتاب اللباس - باب الحرير للنساء - رقم الحديث (5841) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب اللباس - باب تحريم استعمال إناء الذهب والفضة على الرجال والنساء - رقم الحديث (2068).
(4)
إن ثبت هذا فتكون هذه الرسالة الثانية، التي بعث بها رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إلى هرقل، وكانت الأولى بعد الحديبية -كما ذكرنا ذلك فيما مضى-.
يَدْعُوهُ فِيهَا إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ: إِمَّا الدُّخُولُ فِي الْإِسْلَامِ، أَوْ دَفع الْجِزيَةِ، أَوِ الْقِتَالُ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي رَاشِدٍ قَالَ: لَقِيتُ التَّنُوخِيَّ (1) رَسُولَ هِرَقْلَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِحِمْصٍ، وَكَانَ جَارًا لِي، شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ بَلَغَ الفنَدَ (2) أَوْ قَرُبَ، فَقُلْتُ لَهُ: أَلَا تُخْبِرُنِي عَنْ رِسَالَةِ هِرَقْلَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَرِسَالَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى هِرَقْلَ؟
فَقَالَ: بَلَى، قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تَبُوكَ، فَبَعَثَ دِحْيَةَ الْكَلْبِيَّ إِلَى هِرَقْلَ، فَلَمَّا أَنْ جَاة كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم دَعَا قِسِّيسِي (3) الرُّومِ وَبَطِارِقتَهَا (4)، ثُمَّ أَغْلَقَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ بَابًا، فَقَالَ: قَدْ نَزَلَ هَذَا الرَّجُلُ حَيْثُ رَأَيْتُمْ، وَقَدْ أَرْسَلَ إِلَيَّ يَدْعُونِي إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ: يَدْعُونِي إِلَى أَنْ أَتَّبِعَهُ عَلَى دِينِهِ، أَوْ عَلَى أَنْ نُعْطِيَهُ مَالَنَا عَلَى أَرْضِنَا، وَالْأَرْضُ أَرْضُنَا، أَوْ نُلْقِيَ إِلَيْهِ الْحَرْبَ.
ثُمَّ قَالَ هِرَقْلُ: وَاللَّهِ لَقَدْ عَرَفْتُمْ فِيمَا تَقْرَؤُونَ مِنَ الْكُتُبِ لَيَأْخُذَنَّ مَا تَحْتَ قَدَمَيَّ، فَهَلُمَّ نَتَّبِعُهُ عَلَى دِينِهِ، أَوْ نُعْطِيهِ مَالَنَا مِنْ أَرْضِنَا، فنَخَرُوا نَخْرَةَ رَجُلٍ
(1) التَّنُوخِيّ: بفتح التاء، هو رسول هرقل إلى رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وكان حينئذ كافرًا، ثم أسلم بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، فهو تابعي اتفاقًا.
(2)
الْفَنَد: الْخَرَفُ وإنكارُ العقلِ منَ الْهَرَمِ أو المرضِ. انظر لسان العرب (10/ 332).
ومنه قوله تَعَالَى على لسان يعقوب عليه السلام في سورة يوسف آية (94): {وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ} .
(3)
القسُّ: بفتح القاف رئيسٌ من رُؤَسَاءِ النصارى في الدِّينِ والعِلْمِ. انظر لسان العرب (11/ 157).
(4)
الْبِطْرِيقُ: هو الْحَاذِقُ بالْحَرْبِ وأمورها بلغة الرُّومِ. انظر النهاية (1/ 134).
وَاحِدٍ حَتَّى خَرَجُوا مِنْ بَرَانِسِهِمْ (1)، وَقالُوا: تَدْعُونَا إِلَى أَنْ نَدَعَ النَّصْرَانِيَّةَ، أَوْ نَكُونَ عَبِيدًا لِأَعْرَابيٍّ جَاءَ مِنَ الْحِجَازِ! .
فَلَمَّا ظَنَّ أَنَّهُمْ إِنْ خَرَجُوا مِنْ عِنْدِهِ، أَفْسَدُوا عَلَيْهِ الرّومَ رَفَّأَهُمْ (2) وَلَمْ يَكَدْ (3)، ؤقَالَ: إِنَّمَا قُلْتُ ذَلِكَ لَكُمْ لِأَعْلَمَ صَلَابَتَكُمْ عَلَى أَمْرِكُمْ، ثُمَّ دَعَا رَجُلًا مِنْ عَرَبِ تُجِيبَ كَانَ عَلَى نَصَارَى الْعَرَبِ، فَقَالَ لَهُ: ادْعُ لِي رَجُلًا حَافِظًا لِلْحَدِيثِ، عَرِبيَّ اللِّسَانِ، أَبْعَثْهُ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ بِجَوَابِ كِتَابِهِ، فَجَاءَ بِي، فَدَفعَ إِلَيَّ هِرَقْلُ كِتَابًا، فَقَالُ: اذْهَبْ بِكِتَابِي إِلَى هَذَا الرَّجُلِ، فَمَا ضَيَّعْتَ مِنْ حَدِيثِهِ فَاحْفَظْ لِي مِنْهُ ثَلَاثَ خِصَالٍ:
1 -
انْظُرْ هَلْ يَذْكُرُ صَحِيفَتَهُ التِي كَتَبَ إِلَيَّ بِشَيْءٍ؟ .
2 -
وَانْظُرْ إِذَا قَرَأَ كِتَابِي، فَهَلْ يَذْكُرُ اللَّيْلَ؟ .
3 -
وَانْظُرْ فِي ظَهْرِهِ، هَلْ بِهِ شَيْءٌ لا يَرِيبُكَ؟
قَالَ التَّنُوخِيُّ: فَانْطَلَقْتُ بِكِتَابِهِ حَتَّى جِئْتُ تَبُوكَ، فَإِذَا هُوَ (4) جَالِسٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَصْحَابِهِ مُحْتَبِيًا (5) عَلَى الْمَاءِ (6)، فَقُلْتُ: أَيْنَ صَاحِبُكُمْ؟
(1) الْبُرْنُس: هو كُلُّ ثوبٍ رأسه منه مُلْتَزِقٌ به، من دُرَّاعَةٍ أو جُبَّةٍ أو غيره. انظر النهاية (1/ 121).
(2)
رَفَّاَهُمْ: أي سَكَّنَهُمْ ورَفَقَ بِهِمْ. انظر النهاية (2/ 219).
(3)
لم يَكَدْ: بفتح الكاف أي لم يُلحّ عليهم. انظر لسان العرب (12/ 43).
(4)
أي الرسول صلى الله عليه وسلم.
(5)
الِاحْتِبَاءُ: هو أَنْ يَضُمَّ الإنسانُ رِجليهِ إلى بطنه بثوب يجمعهما به مع ظهره، ويشدّه عليها، وقد يكون الاحتباء باليدين عوض عن الثوب. انظر النهاية (1/ 324).
(6)
الْمَاءُ: هو عَيْنُ تَبُوكَ.
قِيلَ: هَا هُوَ ذَا، فَأَقْبَلْتُ أَمْشِي حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَنَاوَلتُهُ كِتَابِي، فَوَضَعَهُ فِي حَجْرِهِ، ثُمَّ قَالَ:"مِمَّنْ أَنْتَ؟ "، فَقُلْتُ: أنا أَحَدُ تَنُوخٍ.
قَالَ رَسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "هَلْ لَكَ فِي الْإِسْلَامِ الْحَنِيفِيَّةِ مِلَّةِ أَبِيكَ إِبْرَاهِيمَ؟ ".
قُلْتُ: إِنِّي رَسولُ قَوْمٍ، وَعَلَى دِينِ قَوْم، لَا أَرْجعُ عَنْهُ حَتَّى أَرْجعَ إِلَيْهِمْ.
فَضَحِكَ رَسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَقَالَ:" {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} (1)، يَا أَخَا تَنُوخ، إِنِّي كتَبْتُ بِكِتَابٍ إِلَى كِسْرَى فَمَزَّقَه، وَاللَّهُ مُمَزِّقُهُ وَمُمَزِّقُ مُلْكِهِ، وَكتَبْتُ إِلَى النَّجَاشِيِّ (2) بِصَحِيفَةٍ فَخَرَّقَهَا، وَاللَّهُ مَخَرِّقُهُ وَمُخرِّقُ مُلْكِهِ، وَكَتَبْتُ إِلَى صَاحِبِكَ بِصَحِيفَةٍ فَأمْسَكَهَا، فَلَنْ يَزَالَ النَّاسُ يَجدُونَ مِنْهُ بَأسًا مَادَامَ فِي الْعَيْشِ خَيْرٌ".
قُلْتُ: هَذِهِ إِحْدَى الثَّلَاثَةِ التِي أَوْصَانِي بِهَا صَاحِبِي، وَأَخَذْتُ سَهْمًا مِنْ جُعْبَتِي، فَكَتَبْتُهَا فِي جِلْدِ سَيْفِي، ثُمَّ إِنَّهُ نَاوَلَ الصَّحِيفَةَ رَجُلًا عَنْ يَسَارِهِ، قُلْتُ: مَنْ صَاحِبُ كِتَابِكُمُ الذِي يَقْرَأُ لَكُمْ؟
قَالُوا: مُعَاوِيَةُ، فَإِذَا فِي كِتَابِ صَاحِبِي: تَدْعُونِي إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ، فَأَيْنَ النَّارُ؟
فَقَالَ رَسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "سُبْحَانَ اللَّهِ أَيْنَ اللَّيْلُ إِذَا جَاءَ النَّهَارُ؟ ".
قَالَ التَّنُوخِيُّ: فَأَخَذْتُ سَهْمًا مِنْ جُعْبَتِي، فكَتَبْتُهُ فِي جِلْدِ سَيْفِي، فَلَمَّا أَنْ
(1) سورة القصص آية (56).
(2)
هذا النجاشي غير النجاشي أصحمة الذي آمن بالرسول صلى الله عليه وسلم.
فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ كِتَابِي، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ لَكَ حَقًّا، وَإنَّكَ رَسُولٌ، فَلَوْ وَجَدْتُ عِنْدَنَا جَائِزَةً (1) جَوَّزْنَاكَ بِهَا، إِنَّا سَفْرٌ (2) مُرْمِلُونَ (3) ".
قَالَ: فَنَادَاهُ رَجُلٌ مِنْ طَائِفَةِ النَّاسِ، قَالَ: أَنَا أُجَوِّزُهُ (4)، فَفَتَحَ رَحْلَهُ فَإِذَا هُوَ يَأْتِي بِحُلَّةٍ صَفُّورِيَّةٍ (5)، فَوَضَعَهَا فِي حِجْرِي، قُلْتُ: مَنْ صَاحِبُ الْجَائِزَةِ؟
قِيلَ لِي: عُثْمَانُ.
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِأَصْحَابِهِ: "أَيُّكُمْ يُنْزِلُ هَذَا الرَّجُلَ؟ ".
فَقَالَ فَتًى مِنَ الْأَنْصَارِ: أَنَا، فَقَامَ الْأَنْصَارِيُّ، وَقُمْتُ مَعَهُ، حَتَّى إِذَا خَرَجْتُ مِنْ طَائِفَةِ الْمَجْلِسِ، نَادَانِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَقَالَ:"تَعَالَ يَا أَخَا تَنُوخٍ"، فَأَقْبَلْتُ أَهْوِي إِلَيْهِ، حَتَّى كُنْتُ قَائِمًا فِي مَجْلِسِي الذِي كُنْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَحَلَّ حَبْوَتَهُ عَنْ ظَهْرِهِ، وَقَالَ:"هَاهُنَا امْضِ لِمَا أُمِرْتَ لَهُ" فَجُلْتُ فِي ظَهْرِهِ، فَإِذَا أَنَا بِخَاتَمٍ فِي مَوْضِعِ عُضُونِ (6) الْكَتِفِ مِثْلِ الْحَجْمَةِ (7) الضَّخْمَةِ (8).
(1) الْجَائِزَةُ: الضِّيَافَةُ. انظر النهاية (1/ 302).
(2)
أي مسافرين
(3)
مُرْمِلُونَ: أي نَفِدَ زَادُهُم. انظر النهاية (2/ 240).
(4)
أي أضيفه.
(5)
صَفُّورية: بفتح الصاد وتشديد الفاء: بلد في الأردن، نُسِبَت الحُلَّة إليها. انظر معجم البلدان (5/ 195).
(6)
الْغَضْنُ: الْكَسْرُ في الْجِلْدِ. انظر لسان العرب (10/ 85).
(7)
الحَجْمَة: بفتح الحاء: شبه صورة خاتم النبوة الناتئ على كتفه صلى الله عليه وسلم بصورة النتوء الضخم الذي يحصل بإلصاقِ المحجمة -وهي القارورة- في ظهر المحجوم. انظر الموسوعة الحديثية (24/ 421).
(8)
أخرج ذلك كله الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (15655) - وأورده الحافظ ابن =