الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وسهل، فإن البعد عن هداية القرآن يكون بسبب العناد والاستكبار، وهذا داء ليس من الصعوبة التخلص منه. والإقبال على هداية القرآن لا يحتاج لغير الإيمان الصحيح، واستقامة السلوك والعمل بما يرضي الله تعالى، من مأمورات نافعة قليلة، واجتناب منهيات ضارة محدودة، قال الله تعالى مبينا هذين المنهجين:
[سورة لقمان (31) : الآيات 6 الى 9]
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (6) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (7) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (8) خالِدِينَ فِيها وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9)
«1» «2» [لقمان: 31/ 6- 9] .
الآية الأولى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ نزلت- فيما ذكر مقاتل- في النضر بن الحارث، كان يخرج إلى فارس، فيشتري كتب الأعاجم، فيرويها ويحدث بها قريشا، ويقول لهم: إن محمدا يحدثكم حديث عاد وثمود، وأنا أحدثكم حديث رستم وإسفنديار، وأخبار الأكاسرة، فيستملحون حديثه، ويتركون سماع القرآن.
والمعنى: بعض الناس يستبدل بالنافع الضرر، وبالقرآن الحكايات والأساطير الفارغة، فيشتري لهو الحديث من غناء وفجور ونحوه، وهو المقترن بالكفر، من أجل صرف الناس عن استماع القرآن، وإضلالهم عن الدين الحق: دين الإسلام، بغير علم صحيح، ويتخذ آيات الله مهزوءا بها، وأولئك وهم دهاقنة الكفر والضلال، لهم عذاب مؤلم في نار جهنم أشد الإيلام. واللهو: كل باطل ألهى عن الخير.
وهذه الآية التي تذم اللهو الباطل تدل على تحريم مبتدعات الطرقات الصوفية من سماع الطبول والمزامير أثناء الذكر. ومن يشتري لهو الحديث الباطل إذا تليت عليه
(1) الوقر: أي الثقل الذي يغير إدراك المسموعات.
(2)
وعد الله منصوب على المصدر، وحقا: مصدر مؤكد.
آيات القرآن أدبر وأعرض عنها متكبرا متجبرا، وأصمّ أذنيه عن سماعها، كأن في كلتا أذنيه ثقلا وصمما، لأنه يتأذى بها، ولا ينتفع منها.
ومن أجل بيان الفرق بين الأشقياء والسعداء، أوضح الله تعالى أن الذين آمنوا بالله ربا واحدا لا شريك له، وصدقوا رسل الله الكرام من غير استثناء أحد، وعملوا صالح الأعمال بأداء الفرائض والتزام الأوامر الشرعية، واجتناب المناهي والمفاسد، أولئك لهم جنات النعيم، يتنعمون فيها بأنواع الملاذ والطيبات من المأكل والمشرب والملبس والمراكب وغيرها، وهم فيها مقيمون على الدوام، لا يتحولون عنها ولا يملّون.
وهذا كائن لا محالة، ووعد كريم من الله الذي لا يخلف وعده، فهو وعد حق ثابت، صادر من الله تعالى القوي القاهر الذي لا يغلب، الحكيم الذي يتقن كل شيء، ويضعه في موضعه المناسب له، ويصدر عنه كل قول وفعل رشيد، بقصد هداية الناس. وتلك الهداية هي مهمة القرآن الكريم، فهو كتاب حق وإرشاد وتقويم، ومنار لكل خير، وموضع كل عزة ونصر، وقد جاءت هذه الأوصاف للقرآن في آيات كثيرة، منها: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً (9)[الإسراء: 17/ 17] .
ويؤكد الله تعالى مهمة القرآن الإصلاحية في مناسبات متعددة، لحمل الناس على الاستقامة والرشاد، كما في قول الله تعالى: هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (44)[فصلت: 41/ 44] . وفي قول الله سبحانه: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً (82)[الإسراء: 17/ 82] .
وأما بعد هذا البيان والإعذار، فيكون المعرضون عن القرآن غير معذورين،