الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فليس لمؤمن أو عاقل أن ينكر الآخرة وما فيها من حساب، وعقاب وثواب، لإقامة صرح العدالة بين الناس.
الدّعوة إلى الإيمان بالله ورسوله
والتحذير من مفاجات القيامة
بعد أن أقسم الله تعالى على إثبات وجود البعث، أمر بالإيمان الخالص بالله تعالى وبرسوله، وبالقرآن نور الله الهادي إلى صراط مستقيم، ثم هدّد وحذّر من الحساب العسير يوم القيامة وهو يوم الجمع، حيث يغبن كل إنسان عمله، لتركه الاستعداد ليوم الآخرة، وليس هناك أحد أخلص من الله وأحبّ لعباده، حيث أمر بما فيه المصلحة لهم، وحذّرهم من المخاطر، ونبّههم إلى التسابق في عمل الخير، ووصف لهم أنواع النعيم، وألوان العذاب في الجحيم، ورغّبهم بالإيمان والطاعة والتوكّل على الله سبحانه، كما في هذه الآيات:
[سورة التغابن (64) : الآيات 8 الى 13]
فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (8) يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (9) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ خالِدِينَ فِيها وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (10) ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَاّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (11) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (12)
اللَّهُ لا إِلهَ إِلَاّ هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (13)
«1» «2» «3» «4» [التّغابن: 64/ 8- 13] .
(1) أي القرآن.
(2)
هو يوم القيامة، وقوله:(يوم) العامل فيه إما: (تنبؤن) أو (خبير) .
(3)
يغبن فيه الكافر نفسه بتركه الإيمان، والمؤمن بتركه الإحسان.
(4)
إلى الرّضا بمصيبته والصبر والثبات على الإيمان.
هذا بعد إثبات البعث اليسير على الله: دعوة إلى الله تعالى وتبليغ وتحذير، فصدّقوا بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وبالقرآن الكتاب المنير الهادي إلى السعادة، والمنقذ من الضلالة، والله مطّلع على كل شيء، عالم بكل ما تعملون أو تقولون، ومجازيكم على ذلك خيرا أو شرّا بحسب عمل كل واحد.
الله خبير ينبئكم بما عملتم يوم يجمعكم أو يحشركم في صعيد واحد للجزاء، يوم القيامة، ذلك اليوم الذي يظهر فيه الغبن أو النقص، غبن الكافر بتركه الإيمان، وغبن المؤمن بتقصيره في الإحسان، فتظهر فيه الخسارة الفادحة للفريقين. فإذا وقع الجزاء عيّر المؤمنون الكافرين، لأنهم يجزون الجنة، ويحصل الكفار في النار.
ومن يصدق بالله تصديقا صحيحا، ويعمل العمل الصالح بأداء الفرائض والطاعات، واجتناب المنهيات المنكرات، يمح الله سيئاته وذنوبه، ويدخله الجنات التي تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار، ماكثين فيها على الدوام، وذلك الشرف والإنعام والتكريم: هو الظفر أو الفوز الذي لا يعادله شيء قبله ولا بعده.
وإنما قال: خالِدِينَ بلفظ الجمع، بعد قوله: وَمَنْ يُؤْمِنْ بلفظ الواحد، لأن ذلك بحسب اللفظ، وهذا بحسب المعنى.
وأما الذين كفروا بالله وكذبوا بآياته القرآنية الدّالة على البعث والقدرة الإلهية، وأنكروا رسالة النّبي محمد صلى الله عليه وسلم، فأولئك هم أصحاب النار، خالدين (ماكثين فيها على الدوام) وبئس المرجع مرجعهم، وساءت النار مثواهم.
وهذه موازنة بين الفريقين، تدلّ على حال السعداء، وحال الأشقياء، لبيان حال التغابن في الآخرة، لا في الدنيا.
ثم أوضح الله تعالى أن كل ما يصيب الإنسان فهو بقضاء الله وقدرته، على وفق السّنة الكونية، القائمة على العلم الإلهي، والإرادة المدبّرة، أي إن كل ما يصيب
الإنسان من مصائب ورزايا، ومن خير أو شرّ فهو بإذن الله تعالى، أي بعلمه وإرادته وتمكينه الوقوع، بحسب الحكمة الإلهية، وما على الإنسان إلا العمل بأمر الله، واجتناب ما نهى عنه، لأن الأمر الإلهي غير الإرادة.
ومن يصدق بالله، ويعلم أن ما أصابه من مصيبة أو شرّ أو خير، يهد الله قلبه للرّضا والصبر والثبات على الإيمان، والله واسع العلم، لا تخفى عليه من ذلك خافية. وبعبارة أخرى: من آمن بالله تعالى، وعرف أن كل شيء بقضاء الله وقدره وعلمه، هانت عليه مصيبته، وسلّم الأمر لله تعالى.
ثم أمر الله تعالى بالطاعة، أي أيها الناس اشتغلوا بطاعة الله فيما شرع، وبطاعة رسوله فيما بلّغ، وافعلوا ما به أمر، واتركوا كل ما نهى عنه وزجر، فإن أعرضتم عن الطاعة، وتنكبتم طريق العمل، فإثمكم على أنفسكم، وليس على رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا التبليغ الواضح. قال الزّهري: من الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم. والآية وعيد وتبرئة لمحمد صلى الله عليه وسلم إذا بلّغ.
والله هو الإله الواحد الذي لا إله غيره، ولا ربّ سواه، وهو المستحقّ للعبودية والعبادة دون غيره، فوحدوا الله وأخلصوا العمل له، ولا تشركوا به شيئا، وتوكّلوا عليه، أي فوّضوا أموركم إليه، واعتمدوا عليه، لا على غيره. وهذا تحريض للمؤمنين على مكافحة الكفار ومجاهدتهم والصبر على دين الله تعالى، وإرشاد إلى وجوب الاعتماد في كل شيء على الله، وطلب العون الدائم منه، فهو حسبنا ونعم الوكيل.
إن هذه الإرشادات الإلهية ترشد إلى الصواب في الأمور، وتدلّ على فلسفة الأحداث، وتعلّقها بالإرادة الإلهية، وبالعلم الرّباني، وبالحكمة السّرمدية، فكل ذلك مرتبط بعلم الله تعالى الشامل لكل شيء، ويجب على العبد المؤمن الرّضا