الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الافتراء، وليس لهم دليل أصلا على ما زعموا، فلم ينزل الله عليهم كتابا قبل القرآن يقرر لهم دينا، ولم يرسل الله إليهم نبيا قبل محمد صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى الحق، ولم يبعث الله لهم منذرا ينذرهم عذاب الله.
ولا قيمة لتكذيبهم وتشنيعهم، فلقد كذّبت بالرسل قبلهم أقوام كقوم نوح وعاد وثمود، ولم يبلغوا بقوتهم وماليتهم عشر ما آتى الله السابقين من ذلك، فلم يمنع ذلك عنهم عذاب الله، وكيف كان إنكاري الشديد عليهم؟
وقوله تعالى: فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ تعظيم للأمر، وليس استفهاما مجردا، وفي هذا تهديد لقريش، أي إنهم معرّضون لنكير وعذاب مثله، فما جرى على المثيل يجري على مثيله، لتساويهما في سبب العقاب، فيتساويان في الحكم والجزاء.
إن وضع المكذبين لرسول الله مجرد استكبار وعناد، وهم يعرفون الحق معرفة تامة، ولكنهم يحيدون عنه من غير حجة بينة، ولا دليل بيّن، ولا عذر لهم إلا التقليد المتوارث للآباء والأجداد، وإهمال عقولهم وتفكيرهم ووعي ظروف المستقبل.
الدعوة إلى الإيمان والعبادة والنبوة
أمر الله نبيه بدعوة الناس قاطبة إلى عبادة الله تعالى وطاعته والإخلاص له، والنظر في حقيقة نبوته هو، والإيمان بالقرآن والقيامة والحساب والجزاء، وذلك لإنقاذ أنفسهم من العذاب الأليم، والبعد عن دائرة الكفر ومفاسده، والضلال ومذاهبه، والسير في فلك الحق ونفعه، والبعد عن الباطل وخسرانه، قبل أن يأتي يوم القيامة، فلا ينفعهم إيمان بالقرآن والنبي محمد صلى الله عليه وسلم، لأن الآخرة دار الحساب والجزاء، والدنيا دار التكليف والاختبار، وهذا صريح الآيات الآتية:
[سورة سبإ (34) : الآيات 46 الى 54]
قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَاّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ (46) قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَاّ عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (47) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَاّمُ الْغُيُوبِ (48) قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ (49) قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (50)
وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (51) وَقالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (52) وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (53) وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (54)
«1» «2» «3» [سبأ: 34/ 46- 54] .
المعنى: قل أيها النبي للمشركين: أحذركم عاقبة السوء، وآمركم بخصلة أو قضية واحدة: وهي التأمل والنظر في حقيقة النبوة، وعبادة الله تعالى، وفي طاعته، إما مثنى (اثنين اثنين) وإما فرادى (واحد واحد) لأن الاجتماع الكثير يشوش الفكر، وينشر الغوغائية، وحينئذ تعلمون أن صاحبكم ليس بساحر ولا مجنون، وإنما هو نبي مؤيد من عند الله بالمعجزات المصدقة له، وأنه منذركم ومخوفكم ما ينتظركم من عذاب شديد على النفوس يوم القيامة.
وقل أيها النبي أيضا للمشركين: لم أطلب منكم أجرا ولا عطاء على أداء رسالة الله عز وجل إليكم، فما ثوابي أو أجري إلا على الله تعالى، والله مطلع على كل شيء، وعالم به، من صدقي بتبليغ الرسالة، وإعلامكم بالنبوة. وهذا أمر من الله تعالى بالتبري من طلب الدنيا وطلب الأجر على الرسالة، وتسليم كل دنيا إلى أهلها والتوكل على الله في الأجر، والإقرار بأنه شاهد على كل شيء من أفعال البشر وأقوالهم وغير ذلك. إن ربي عالم الغيب والشهادة يصطفي للنبوة من يشاء ويرسل جبريل بالوحي إلى من يشاء من عباده.
(1) من جنون.
(2)
فلا هروب ولا نجاة.
(3)
التناول بسهولة ويسر.
وقل كذلك أيها النبي للمشركين: جاء الدين الحق، وهو الإسلام الذي سيعلو على كل الدنيا، وآيات القرآن، وما يصنع الباطل شيئا، والباطل: الكذب والكفر.
ونحوه، استعار له الإبداء والإعادة، ونفاهما عنه.
وقل أيضا أيها الرسول لأهل الشرك: إن انحرفت عن الهدى ودين الحق، فإن إثم انحرافي على نفسي، وإن وفّقت للحق، فبسبب ما أوحى إلي ربي من الهداية والتوحيد والاستقامة، إنه سبحانه تام السمع لقولي وقولكم، قريب مني ومنكم، يعلم الهدى والضلالة، ويجازي كل إنسان بما يستحق.
ولو رأيت أيها النبي هؤلاء الكفار حين خافوا عند البعث والنشر من القبور، ثم الحشر، وعند رؤية ألوان العذاب الشديد، لرأيت العجب، فهم لا يتمكنون من الهرب والنجاة، ويؤخذون فورا من مكان قريب إلى نار جهنم، أي إنهم قريبون من ذلك لتناول القدرة الإلهية لهم حيث كانوا. فتدل الآية على معنى التعجب من حالهم، إذا فزعوا من أخذ الله إياهم، ولم يتمكن أحد منهم من الإفلات.
وقال الكفار حين الأخذ للعذاب: لقد آمنا بمحمد صلى الله عليه وسلم وشرعه والقرآن، ولكن كيف لهم تعاطي الإيمان أو نيله، وقد بعدوا عن محل قبوله، أي أنّى لهم تناول مرادهم، وقد بعدوا عن مكان إمكان ذلك. وكيف يظفرون بالإيمان في الآخرة، وقد كفروا بالحق والقرآن والرسل في الدنيا؟ وكانوا يرجمون بالظن بقولهم: سحر وافتراء وغير ذلك، ويتكلمون بلا حجة ولا برهان، ويرمون بظنونهم الرسول وكتاب الله، وذلك غيب عنهم. وحيل بينهم وبين شهواتهم في الدنيا، وبين ما طلبوه في الآخرة، فمنعوا منه. والمراد أنه حيل بينهم وبين الإيمان، والتوبة، والرجوع إلى الأمانة والعمل الصالح، لأنهم اشتهوه في وقت لا تنفع فيه التوبة.
وقد فعلنا بهم ذلك، كما فعلنا بأمثالهم من كفار الأمم الماضية، إنهم كانوا جميعا في الدنيا في شك وريبة من أمر الرسل، ومطالبتهم بالتوحيد، وإثباتهم البعث والجزاء، والشرائع والأحكام. والأشياع: الفرق المشابهة لهم من كل أمة، جمع شيعة.