الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تفسير سورة المعارج
التهديد بالعذاب الأخروي
المشركون قوم حمقى، فإنهم طالبوا بإنزال العذاب في الدنيا، واستعجال العذاب الأخروي تحدّيا واستهزاء وعنادا، على الرغم من إخبار القرآن بتعذيب من قبلهم ممن هو أشد منهم قوة وجحودا وثراء وزعامة، فجاءهم إنذار آخر من السماء يهددهم بعذاب واقع، مع وصف مرعب ليوم القيامة وما فيه من شدائد وأهوال وتغيرات غريبة تباين المألوف، مما يزيد في الخوف أو الذّعر، وذلك في مطلع سورة المعارج المكّية بالإجماع في هذه الآيات:
[سورة المعارج (70) : الآيات 1 الى 18]
بسم الله الرحمن الرحيم
سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ (1) لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ (2) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعارِجِ (3) تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (4)
فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً (5) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً (6) وَنَراهُ قَرِيباً (7) يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ (8) وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ (9)
وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً (10) يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (11) وَصاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (12) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (13) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ (14)
كَلَاّ إِنَّها لَظى (15) نَزَّاعَةً لِلشَّوى (16) تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (17) وَجَمَعَ فَأَوْعى (18)
«1» «2» «3» «4» «5» «6» «7» «8» «9» «10» «11» [المعارج: 70/ 1- 18] .
(1) سأل بكذا: طلبه، وسأل عن كذا: استخبر عنه اعتناء به. [.....]
(2)
مانع وواقع.
(3)
المصاعد والدرجات لصعود العمل الصالح إليه.
(4)
مائع الزيت ونحوه من المعادن المذابة.
(5)
الصوف المندوف.
(6)
صديق صديقه.
(7)
زوجته.
(8)
عشيرته.
(9)
كلمة ردع وزجر للمخاطب عما هو عليه.
(10)
نار ملتهبة.
(11)
هي أعضاء الجسم الخارجية أو جلدة الرأس.
أخرج النّسائي وابن أبي حاتم عن ابن عباس، في قوله تعالى: سَأَلَ سائِلٌ قال:
هو النّضر بن الحارث، قال:«اللهم إن كان هذا هو الحقّ من عندك، فأمطر علينا حجارة من السماء» .
دعا داع وطلب طالب بإنزال عذاب واقعي، كائن للكافرين، نازل بهم، لا يمنع ذلك العذاب الواقع أحد إذا أراده الله تعالى. وقوله: لِلْكافِرينَ بمعنى: على الكافرين، فاللام بمعنى على هنا، أو كأن قائلا قال: لمن هذا العذاب؟ فقيل:
للكافرين. وسؤال العذاب من طالبه للاستهزاء والتعنّت. والسائل كما تقدّم: هو النضر بن الحارث أو غيره.
والعذاب واقع من جهة الله تعالى، ذي المصاعد الذي تصعد إليه الكلمة الطيبة والعمل الصالح، أو تصعد فيها الملائكة، وقال ابن عباس: المعارج: السماوات تعرج فيها الملائكة من سماء إلى سماء. تصعد في تلك المعارج الملائكة وجبريل عليه السلام، خصصه بالذّكر تشريفا، في مدة يوم يقدّر بخمسين ألف سنة من سنوات الدنيا، لو أراد البشر الصعود إليها. وهذا بحسب مواقف القيامة ومواطنها، فيها هذه المواطن، وفيها خمسون موطنا، كل موطن ألف سنة، كما في آية أخرى: هي فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ [السّجدة: 32/ 5] . وهذا في حقّ الكافر، أما في حقّ المؤمن فلا يجدون هذه المسافة لقوله تعالى: أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (24)[الفرقان: 25/ 24] . والمستقر والمقيل: هو الجنة.
ثم أمر الله نبيّه بالصبر على مثل هذا السؤال، فاصبر يا محمد صبرا جميلا، ولا تأبه بسؤالهم العذاب استهزاء وتعنّتا وتكذيبا بالوحي، واحلم على تكذيبهم لك.
إن المشركين يرون يوم القيامة ووقوع العذاب فيه بعيدا أو مستحيل الوقوع، والله يراه قريبا، ويعلمه كائنا ممكنا غير متعذر، لأن كل ما هو آت قريب.
وأوصاف ذلك اليوم يوم القيامة: أن السماء تصير كمائع الزيت أو المعادن المذابة، وتكون الجبال كالصوف المنفوش أو المندوف إذا طيّرته الريح، ولا يسأل قريب قريبه عن شأنه أو حاله في ذلك اليوم، وهو يراه في أسوأ الأحوال، فتشغله نفسه عن غيره.
ويبصّر أو يرى كل صديق صديقه، ويعرّف به، لا يخفى منهم أحد عن أحد، دون أن يكلم بعضهم بعضا، ويتمنّى الكافر وكل مذنب ذنبا يستحقّ به النار: أن يفتدي نفسه من عذاب يوم القيامة الذي نزل به، بأعزّ ما لديه، من المال والبنين، والزوجة، والإخوة والأخوات، والعشيرة أو الرّهط والقرابة الأدنين، كبني هاشم مع النّبي صلى الله عليه وسلم، وكل من في الأرض جميعهم من الثّقلين: الإنس والجنّ وغيرهما من الخلائق، ثم ينجيه من هذا الفداء، الذي تضمنه قوله: لَوْ يَفْتَدِي فهو كالمتقدم الذّكر. فالفاعل لقوله: يُنْجِيهِ هو الفداء، أي لا نجاة.
ثم أكّد الله تعالى رفض قبول الفداء بقوله: كَلَّا للردع والزجر، فهي ردّ لقولهم وما ودّوه، أي ليس الأمر كذلك. فلا يقبل الفداء من المجرم، إنها جهنم الشديدة الحرّ مأواه، التي تنزع اللحم عن العظم، والأعضاء عن مفاصلها، وجلدة الرأس عنه، ثم يعود كما كان. وتنادي جهنم الكفار وهم كل من أدبر عن الحق والإيمان في الدنيا، وتولى عنه، وجمع المال فجعله في وعاء، فلم ينفق منه شيئا في سبيل الخير، ومنع حق الله فيه، من الواجب عليه من النفقات وإخراج الزكاة.
وقوله: فَأَوْعى أي جعله في الأوعية. وهذا إشارة إلى كفار أغبياء جعلوا جمع المال جلّ همهم ومقصد حياتهم، فجمعوه من غير حلّ، ومنعوه من حقوق الله تعالى.
ودعاء جهنم لأهلها إما حقيقة، تدعوهم بأسمائهم وأسماء آبائهم، كما قال ابن