الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فالآية ردّ على قول بني النّضير: إن محمدا ينهى عن الفساد، وها هو ذا يفسد، فأعلم الله تعالى أن ذلك بإذنه، وليخزي الفاسقين من بني النضير.
حكم الفيء (أموال الأعداء)
ترتب على إجلاء بني النضير من المدينة وصلحهم على ترحيل أموالهم إلا السّلاح:
ظهور ما يسمى بالفيء، وهو الأموال التي أخذت منهم صلحا، فلم تؤخذ بطريق القتال، لأن المقاتلة كانت قليلة، فأجري ذلك مجرى ما لم يحصل فيه قتال أصلا، وخصّ الله تعالى بتلك الأموال رسوله، يتصرف فيها بحسب ما يرى من المصلحة، فقسمها بين المهاجرين، ولم يعط الأنصار منها شيئا إلا ثلاثة نفر كانت بهم حاجة، وهم أبو دجانة، وسهل بن حنيف، والحارث بن الصّمة.
وهذا في الآيات الآتية المبينة حكم الفيء وطريقة تقسيمه في المصالح العامة:
[سورة الحشر (59) : الآيات 6 الى 10]
وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (7) لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8) وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9) وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (10)
«1» «2» «3» «4»
(1) ما ردّه الله على رسوله من أموال بني النضير ونحوها، والفيء: ما أخذ من الأعداء بلا حرب.
(2)
أي لم تأخذوه بطريق القوة بركوب الخيل، والإبل وهي الركاب خاصة.
(3)
متداولا بين الأغنياء. [.....]
(4)
الذين سكنوا المدينة ولزموها، وهم مؤمنون.
«1» «2» «3» [الحشر: 59/ 6- 10] .
هذا حكم قسمة الفيء، وإعلام أن ما أخذ من بني النضير ومن فدك فهو خاص للنبي صلى الله عليه وسلم، وليس على حكم الغنيمة التي تؤخذ من العدو بطريق العنوة أو القتال، وإنما حكمه حكم خمس الغنائم تصرف في المصالح العامة، فما ردّه الله تعالى على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وصيّره إليه من أموال الكفار بني النضير فهو آت من غير قتال، ولكن الله يسلّط بقدرته وتدبيره رسله على من يشاء من أعدائه، فيأخذون أموالهم دون قتال، والله قادر على كل شيء، يفعل ما يشاء بمن يشاء. وفي ذلك قال عمر رضي الله عنه: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم، مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفق منها على أهله نفقه سنة، وما بقي منها جعله في السلاح والكراع (الخيل) عدّة في سبيل الله تعالى.
ومصارف الفيء: هي أن كل ما ردّه الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم من كفار أهل القرى، كقريظة والنضير وفدك وخيبر، صلحا من غير قتال، ولم ينتزع بإيجاف خيل (وهو السرعة في الجري) ولا ركاب وهي الإبل الخاصة، يحكم الله به بما يشاء، فيكون لرسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته، يتصرف به بحسب ما يراه من المصلحة، ثم يكون من بعده مصروفا في مصالح المسلمين العامة. ويقسم خمسة أقسام: سهم الله تعالى ورسوله: هو للرسول في حياته، ولمصالح المسلمين من بعده، وسهم قرابة الرسول صلى الله عليه وسلم: وهم بنو هاشم وبنو المطلب، وسهم اليتامى، وسهم المساكين، وسهم ابن السبيل (المسافر المنقطع عن بلده في سفره) والأربعة الأخماس الباقية لمصالح المسلمين
(1) حاجة.
(2)
من يحمى ويمنع من بخل نفسه.
(3)
حقدا وحسدا.
العامة. أما الغنيمة فيصرف خمسها لهؤلاء الأصناف الخمسة المذكورين في الآية، وآية الغنائم: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ
…
[الأنفال: 8/ 41] ، والأربعة الأخماس الباقية للمقاتلين في المعركة.
وعلّة هذا التقسيم وحكمه: ألا يكون تداول الأموال محصورا بين الأغنياء فقط، ولا يصيب الفقراء منه شيء، فيغلب الأغنياء الفقراء، ويقسمونه بينهم، وهذا مبدأ إغناء الكل.
وما أمركم به الرسول صلى الله عليه وسلم فخذوه، وما منعكم عنه فاتركوه، وخافوا الله بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، إن الله شديد العقاب لمن عصاه، وخالف أمره، وارتكاب ما زجر عنه. ثم بيّن الله تعالى حال الفقراء المستحقّين للفيء، فسهم هؤلاء غير سهم الله والرسول، وهم فقراء المهاجرين الذين أبعدوا من ديارهم وأموالهم، طلبا لمرضاة الله وفضله، وإعلاء كلمة الله ودينه، ونصرة الله ورسوله بجهاد الأعداء، هؤلاء المهاجرون هم الصادقون في إيمانهم، الذين صدّقوا قولهم بفعلهم.
ثم يعطى سهم للأنصار الذين سكنوا المدينة دار الهجرة، من قبل مجيء المهاجرين، ويحبّون المهاجرين، ويواسونهم بأموالهم، ولا يجدون في أنفسهم حاجة أي حسدا أو حقدا بسبب ما أوتي المهاجرون دونهم، بل طابت أنفسهم بذلك، ويقدمون غيرهم على أنفسهم في حظوظ الدنيا، ولو كان بهم حاجة وفقر، ومن كفاه الله داء بخل نفسه ووقي من ذلك، فأدى ما يجب عليه شرعا من زكاة أو حقّ، فقد فاز وظفر بكل المطلوب. والإيثار على النفس أكرم خلق.
والذين أتوا في الزمان من بعد المهاجرين والأنصار، وهم التابعون لهم بإحسان يقولون: ربّنا اغفر لنا، ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، وانزع من قلوبنا الغلّ أو الحقد والبغض والحسد للمؤمنين قاطبة، فإنك يا ربّ واسع الرأفة، كثير الرحمة،