الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بعض قريش كأبي جهل وغيره، خشية استمالة القلوب بالقرآن: متى قرأ محمد فلنغطّ نحن بالمكاء «1» والصفير والصياح وإنشاد الشّعر والأرجاز، حتى يخفى صوته، ولا يقع الاستماع منه، وهذا الفعل منهم هو اللّغو، فنزلت الآيات الآتية:
[سورة فصلت (41) : الآيات 26 الى 29]
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (26) فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذاباً شَدِيداً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (27) ذلِكَ جَزاءُ أَعْداءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (28) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَاّنا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (29)
«2» «3» [فصلت: 41/ 26- 29] .
المعنى: قال بعض الكفار لبعضهم: لا تستمعوا لهذا القرآن عند تلاوته، ولا تتأثروا أو تنقادوا له، وعارضوه بالكلام اللغو الساقط الذي لا معنى له، من إنشاد الأشعار ورفع الأصوات والتصفيق والتصفير، والتخليط بالخرافات والأساطير، حتى تغلبوا القارئ على قراءته، وتطمسوا أمر محمد صلى الله عليه وسلم وتميتوا ذكره وتصرفوا القلوب عنه.
فهددهم الله تعالى بأنه ليجازين في الدنيا في بدر وغيرها جميع الكفار بعذاب شديد، ومنهم كفار قريش، الذين يحاولون صد الناس عن سماع القرآن، ثم يجازينّهم في الآخرة جزاء أقبح أعمالهم التي عملوها في الدنيا، وهو الشرك. وهذه آية وعيد لقريش والعذاب الشديد: هو عذاب الدنيا في بدر وغيرها والجزاء بأسوأ أعمالهم:
هو عذاب الآخرة.
ثم ذكر الله تعالى صفة ذلك العذاب بأن ذلك الجزاء لأقبح أعمال الكفار وهو دخول النار، هو جزاء أعداء الله الذين كذبوا رسله، واستكبروا عن عبادته، فهم
(1) المكاء: الصفير، والخبر أخرجه ابن جرير عن مجاهد.
(2)
ائتوا باللغو عند قراءته، وهو ما لا معنى فيه من سقط القول.
(3)
أي الأذلين المهانين.
أهل النار، وهي دار الإقامة المستمرة التي لا انقطاع لها، ويجزون ذلك الجزاء بسبب جحودهم كون القرآن من عند الله تعالى. إنهم سيرون عظيم ما حلّ بهم وسوء منقلبهم، وحين يرون العذاب، يطلبون الانتقام ممن أضلوهم وأبعدوهم عن الطريق القويم.
فقال الكفار طالبين من الله تعالى: ربّنا أرنا من أضلنا من فريقي الجن والإنس، الذين كانوا يزينون لنا الكفر والمعاصي، لندوسهم بأقدامنا أو أرجلنا، ليكون الفريقان من الأذلين المهانين، في الدرك الأسفل من النار. والطلب لكلا نوعي المضلين، سواء الذين أضلوا الناس، وأدى بهم الكفر إلى الخلود في النار، أو الذين أوقعوا الناس في المعاصي الكبائر. وكل كافر يطلب إبليس، وكل مرتكب كبيرة يطلبه أيضا ويطلب أعوانه من الإنس. وقولهم: نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا يراد به: في أسفل طبقة في النار، وهي أشد عذابا، وهي درك المنافقين.
إن من يحذّره القرآن بهذا التحذير الذي يملأ النفس رعبا وهلعا، وكان عنده قليل من عقل أو وعي أو تأمل، يبادر إلى البحث عن طريق الإنقاذ، كحال من يتعرض لخطر مشاهد في الدنيا من حريق، أو غرق، أو هدم، أو زلزال أو بركان، إن كل إنسان يبحث عن طريق النجاة، خوفا من الخطر، وهذا في الدنيا، فكيف بأهوال العذاب الخالد (الدائم) في نيران الجحيم يوم القيامة.
إن الإنسانية التي تريد النجاة الدائمة والحفاظ على وجودها لا يمكنها تحقيق آمالها، وتجنب آلامها ومخاطر المستقبل، إلا بالإصغاء التام لنداءات القرآن العظيم وتوجيهاته ومواعظه السديدة وإرشاداته البليغة، وحين يستجيب الإنسان لهذا النداء الإلهي تصبح الحياة جنة في الدنيا، ويتخلص الجميع من الآلام وألوان الشقاء والعذاب الذي يتعرضون له، فهل من واع أو مدرك لهذا؟!