الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تفسير سورة ق
إنكار البعث
تكرر الحديث في القرآن المجيد عن إنكار المشركين البعث، مستهجنين أن إعادة الرفات البالية التي صارت ترابا مشتتا، كيف يمكن إعادتها للحياة مرة أخرى، وذلك بسبب فقد الإيمان، والجهل بقدرة الله الخارقة والشاملة لكل شيء، وجاء الرد القرآني على هذا الإنكار من نواح ثلاث: أولها: أن الله الذي خلقهم أول مرة قادر على إعادتهم، والإعادة أهون من البدء في مستوى عقل البشر، وثانيها: أن الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما من المخلوقات قادر على خلق جديد. وثالثها:
أن إنبات النبات والزرع والشجر من التراب الميت في الظاهر، وإحياء الأرض بالمطر، مثل إحياء الإنسان بقدرة الله، وقدرة الله تعالى تتجاوز كل التصورات.
وهذا ما دوّنته الآيات في مطلع سورة (ق) الآتية، وهي مكية بالإجماع وآيات سور كثيرة لإثبات الحشر، قال الله تعالى:
[سورة ق (50) : الآيات 1 الى 11]
بسم الله الرحمن الرحيم
ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (1) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ (2) أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (3) قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ (4)
بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (5) أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ (6) وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (7) تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (8) وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (9)
وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ (10) رِزْقاً لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ الْخُرُوجُ (11)
«1» «2» «3» «4»
(1) رجوع مستبعد.
(2)
مختلط مضطرب بين وصفه بالشعر والسحر والكهانة.
(3)
شقوق وفتوق تعيبها.
(4)
جبالا ثوابت.
«1» «2» «3» «4» «5» [ق: 50/ 1- 11] .
افتتح الله السورة بحرف ق للتنبيه لأهمية ما بعده، وأكثر ما يأتي بعد الحروف الأبجدية أو حروف المعجم الإشارة للقرآن، لبيان الإعجاز القرآني وتحدي العرب للإتيان بمثله، ما دام متكونا من حروف لغتهم التي ينطقون بها ويكتبون.
ثم أقسم الله تعالى بالقرآن الممجّد المعظم الرفيع الكثير البركة والخير، أنك يا محمد جئتهم منذرا بالبعث، وجواب القسم محذوف دل عليه ما بعده: وهو إثبات النبوة والمعاد.
هؤلاء كفار قريش تعجبوا لأن جاءهم رسول منهم ينذرهم بالبعث، فقالوا: هذا شيء يدعو للعجب: وهو أن ينذرهم رجل منهم، معروف بالأمانة والصدق والعدل.
وشبهة تعجبهم: أنبعث ونرجع أحياء إذا متنا وتفرقت أجزاؤنا في الأرض، وصرنا ترابا منثورا، وعظاما بالية؟ ذلك البعث رجوع مستبعد عقلا، لأنه في عقلهم المحدود والضعيف غير ممكن وغير مألوف عادة. وقوله: بَلْ عَجِبُوا معناه قد عجبوا والضمير عند جمهور المتأولين: هو لجميع الناس، مؤمنهم وكافرهم. أما المؤمنون فنظروا واهتدوا، وأما الكافرون فبقوا على عمايتهم.
فرد الله تعالى عليهم مبينا مدى قدرته على البعث وغيره، بقوله: لقد علمنا علما متيقنا ما تنقص، أي تأكل الأرض من أجسادهم حال البلى، ولا يخفى علينا شيء
(1) صنف مبهج حسن.
(2)
منصوب على المصدر بفعل مضمر.
(3)
طوالا عالية.
(4)
ثمر منضود متراكب على بعضه.
(5)
منصوب على المصدر. [.....]
من ذلك، وعندنا كتاب حافظ شامل لعددهم وأسمائهم وتفاصيل الأشياء كلها، وهو اللوح المحفوظ. إنه تعالى يعلم ما تأكل الأرض من ابن آدم وما تبقي منه، وأن ذلك في كتاب، وكذلك يعود في الحشر، معلوما ذلك كله. والحفيظ: الجامع الذي لم يفته شيء.
وسبب كفرهم وعنادهم: أن كفار قريش في الواقع كذبوا بالقرآن وبنبوة محمد صلى الله عليه وسلم الثابتة بالمعجزات، وكان تكذيبهم من غير ترو، ولا تدبر وتفكر، وإنما بمجرد تبليغهم به من قبل هذا الرسول، فهم في أمر مضطرب مختلط من دينهم، يقولون مرة عن القرآن والنبي: ساحر وسحر، ومرة: شاعر وشعر، ومرة: كاهن وكهانة، فهم في قلق واضطراب، لا يدرون ماذا يفعلون.
ثم استدل الله تعالى على قدرته العظيمة على البعث وغيره بدليل حسي مشاهد لهم:
أفلم ينظر هؤلاء الكفار نظرا واضحا إلى هذه السماء المخلوقة العجيبة، فهي مرفوعة بلا عمد، ومزينة بالكواكب، ومبنية بناء راسخا، ليس فيها شقوق وصدوع وفتوق، ثم ألم ينظروا أيضا إلى الأرض التي بسطناها ووسعناها، وألقينا فيها جبالا ثوابت لئلا تضطرب بأهلها، وأنبتنا فيها من كل صنف نباتي ذي بهجة وجمال وحسن منظر.
فعلنا ذلك ليتبصّر العباد والمنيبون الراجعون إلى ربهم وطاعته، ويتفكروا في بدائع مخلوقاته، ويتذكروا هذه الأدلة، وخص الله تعالى بالذكر العبد المنيب وأفرده تشريفا، من حيث إن هؤلاء العباد هم المنتفعون بالتبصرة والذكرى.
وكيفية الإنبات من التراب التي يشبهها إعادة الخلق أو البعث والحشر: أن الله قال: لقد أنزلنا من السحاب المطر الكثير النفع، المنبت كل شيء من الأشجار في البساتين، ومن الحبوب التي تحصد كالقمح والشعير ونحوهما. وأنبتنا أيضا به النخيل الجميل الطويل الشاهق في السماء، والتي لها طلع (أول ما يخرج من ثمر النخيل)