الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الآخرة فهو في نعيم دائم، وجنان تجري من تحتها الأنهار، ورضوان من الله أكبر، وأما الكافر في الدنيا: فهو قلق البال، مضطرب النفس، يعيش في كمد وحسرة، ولا يعمل لهدف، فإن أحسن العمل استفاد فقط من حسن عمله في دنياه، ولم يفده شيئا في آخرته، وأما في الآخرة: فهو في عذاب مستمر، ونيران يتلظى بها، وحميم يصب فوق رأسه، وسخط وغضب من الله عليه. وهذا ما يفهم من الآيات الآتية:
[سورة لقمان (31) : الآيات 22 الى 24]
وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى وَإِلَى اللَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (22) وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (23) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ (24)
«1» [لقمان: 31/ 22- 24] .
هذا بيان واضح لمصير المؤمن والكافر، ليتبين الفرق، وتتحرك النفوس إلى طلب الأفضل، ومعرفة الأسلم والأحكم. فمن يسلم، أي يخلص وجهه إلى الله تعالى ويستسلم به، أو يخلص العبادة والعمل إلى الله تعالى، ويخضع إلى أمره، ويتبع شرعه، ويتقن عمله، باتباع ما أمر الله به، وترك ما نهى عنه وزجر، فقد ضمن لنفسه النجاة، وتعلّق بأوثق الوسائل الموصلة إلى رضوان الله تعالى، وسيلقى الجزاء الحسن على عمله، لأن مصير المخلوقات كلهم إلى الله سبحانه، فيجازي المتوكل عليه، المخلص عبادته إليه، أحسن الجزاء، كما يعاقب المسيء بأشد العذاب.
وقوله تعالى: يُسْلِمْ وَجْهَهُ الوجه هنا: هو الجزء المعروف، مأخوذ من المواجهة أستعير هنا للقصد، لأن القاصد للشيء هو مستقبله بوجهه، فاستعير ذلك للمعاني، وقوله سبحانه: وَهُوَ مُحْسِنٌ المحسن: هو الذي جمع القول والعمل.
وهو
في بيان النبي صلى الله عليه وسلم: الذي يعبد الله كأنه يراه.
والعروة الوثقى: استعارة للأمر المنجي.
(1) هي استعارة للأمر المنجي الذي لا يخاف عليه استحالة ولا إخلال. [.....]
ثم آنس الله عز وجل نبيه عليه الصلاة والسلام عن أساه وحزنه، لكفر قومه وإعراضهم، فأمره ألا يحزن لذلك، بل يعمد إلى ما كلّف به من التبليغ، وإرجاع كل شيء إلى الله تعالى، فلا تغتم أيها النبي ولا تجزع على كفر الكافرين، الذين كفروا بالله ورسوله، ودينه وقرآنه، ولا تأبه بهم، ولا تحزن عليهم، فإن مصيرهم إلى الله تعالى يوم القيامة، وفي الدنيا أيضا، فيجازيهم ربهم بالهلاك والعذاب، ولا تخفى عليه خافية منهم، لأن الله تعالى يعلم السر وأخفى، ويعلم العلانية والظواهر كلها، ويخبرهم بما أضمرته صدورهم. وبِذاتِ الصُّدُورِ: ما فيها، والقصد من ذلك:
المعتقدات والآراء.
ثم أبان الله تعالى مقام الكفار في الدنيا، فذكر أنه سبحانه يمتعهم في عالم الدنيا بزخارفها وزينتها، تمتعا قليلا، أو زمانا ضئيلا، ثم يلجئهم ويلزمهم بعذاب شاقّ، ثقيل شديد عليهم، والمتاع القليل: هو العمر في الدنيا.
والغلظ: يكون في الماديات، وأستعير للمعنى، والمراد: الشدة، فيكون معنى (العذاب الغليظ) : المغلّظ الشديد.
إن كل عاقل يتأمل في نفسه قليلا، وفي مستقبله كثيرا، وفي الواقع المشاهد حوله وفي العبر والعظات المتكررة يوميا، يدرك إدراكا تاما أن العاقبة الحسنة، والمصير الأحسن: هو لأهل الإيمان، والإيمان أمر سهل: إنه حركة القلب واتجاهها نحو التصديق التام بالله تعالى، والاستسلام المطلق لأوامره ونواهيه، والتخلص من موروثات العقائد الباطلة، ومؤثرات البيئة الظالمة أو القائمة، وان هذا المتأمل والمبادر إلى الإيمان الصحيح بربه يتحرر من التقليد، ويشعر في قرارة نفسه أنه بالإيمان ينتقل من عالم الظلام والجهل، إلى عالم النور والإدراك والفهم، والله يوفق دائما للخير كما قال سبحانه: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ [الأنعام: 6/ 125.]