الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فرعون، فكان ذلك سببا لخروجه من مصر، واتّجاهه نحو أرض مدين، وصف الله تعالى هذه الأحداث في الآيات التالية:
[سورة القصص (28) : الآيات 18 الى 21]
فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قالَ لَهُ مُوسى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (18) فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما قالَ يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَاّ أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (19) وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (20) فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (21)
«1» «2» «3» «4» «5» «6» «7» [القصص: 28/ 18- 21] .
لقد استبدّ الخوف والقلق في نفس موسى عليه السلام، فأصبح في المدينة: عين شمس، دائم الخوف في كل أوقاته، فصار يترقّب مباغتا يقتله، ويتحسس ويتألم من الناس بسبب القتل، فمرّ وهو بهذه الحالة القلقة في طريق متخفّيا مستترا، فإذا ذلك الإسرائيلي الذي استنصره بالأمس على المصري، يطلب منه العون والمساعدة على مصري آخر، فقال له موسى معاتبا ومؤنّبا: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ أي ظاهر الغواية، كثير الفساد والشّر والضّلال.
ولما أراد موسى زجر عدوّهما القبطي: عدو الإسرائيلي وعدوه، قال له مستنكرا مستهجنا لعلمه بحادثة القتل بالأمس: أتريد الإقدام على قتلي، كما قتلت نفسا البارحة، ما تريد يا موسى إلا أن تكون من الجبابرة، والجبابرة شأنهم قتل الناس بغير حق؟! فلذلك جعله جبّارا ونفى عنه الصلاح، أي إنك لا تريد إلا أن تكون سفّاحا بطّاشا، كثير الأذى في الأرض، دون أن تتدبّر في عواقب الأمور، ولا تريد
(1) يتوقع مكروها.
(2)
يستغيثه.
(3)
ضال عن الرشد.
(4)
يأخذ بقوة.
(5)
يسرع.
(6)
وجوه القوم.
(7)
يتشاورون في شأنك.
أن تكون من أهل الصلاح والإصلاح الذين يفصلون في خصومات الناس بالحسنى والحكمة، والموضوعية، والرّوية، حتى ولو كان أحد الخصوم من ذوي القربى أو العشيرة.
فأنفذ فرعون إلى موسى من يطلبه من جنده، ويأتي به للقتل، فخرج موسى إلى الطريق الأعظم، أي الشارع العام، فجاءه رجل، يسرع في مشيه، يقال: إنه مؤمن آل فرعون، ويقال: إنه غيره، في إحدى الطرق الصغيرة، المتشعبة من الطرق الكبيرة، ليصل بسرعة إلى موسى عليه السلام، وليخفي أمره، حتى لا يعرف أحد أنه يريد إبلاغ موسى بالخبر، وقد جاء هذا الرجل الناصح من أبعد مكان في المدينة، فقال: يا موسى، إن فرعون وملأه: أشراف دولته وكبار حاشيته، يتآمرون ويتشاورون في أمرك، وتدبير مكيدة أو مؤامرة قتلك، فاخرج بسرعة من البلد، إني لك ناصح أمين.
فخرج موسى عليه السلام من مدينة فرعون خائفا على نفسه، يتلفّت ويترقّب متابعة أحد له، وأفلت من القوم، فلم يجدوه، وخرج في حال فزعه إلى طريق مدين، وهي مدينة قوم شعيب عليه السلام، وكان موسى عليه السلام لا يعرف ذلك الطريق، ولم يصحب أحدا، فسار واثقا بالله تعالى، ومتوكّلا عليه، وقال في هذه المحنة العصيبة: يا ربّ، نجني من هؤلاء القوم الظالمين: فرعون وملئه، واحمني من شرّهم وسوئهم، فاستجاب الله دعاءه ونجاه ووصل إلى مدين آمنا على نفسه، بفضل الله وإحسانه، كما جاء في آية أخرى: وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى [طه: 20/ 40] .
وبين مدين ومصر مسيرة ثمانية أيام، وكان ملك مدين لغير فرعون، قال السّدّي ومقاتل: روي أن الله تعالى بعث إلى موسى جبريل عليه السلام، وقيل: ملكا غيره،