الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مبادئه التوحيد، وصدّق في ذلك الأنبياء المرسلين فيما جاؤوا به من التوحيد، والوعد، والوعيد، وإثبات المعاد، ولم يخالفهم في تلك الأصول.
ومن حوادث عرض كلمة التوحيد على غير المؤمنين:
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي طالب: «أي عم، قل: لا إله إلا الله، أحاجّ لك بها عند الله» فقال أبو جهل:
أيرغب عن ملة عبد المطلب؟ فقال آخر ما قال: أنا على ملة عبد المطلب. وبعرضه عليه الصلاة والسلام قول: لا إله إلا الله، جرت السنة في تلقين الموتى المحتضرين، ليخالفوا الكفرة في نهاية العمر، ويخضعوا لكلمة التوحيد.
جزاء المؤمن والكافر
العدل الإلهي المطلق: هو أساس الجزاء والحساب في الآخرة، وليس هناك تمييز ولا استئناف، وإنما القرار مبرم حاسم، والتنفيذ محقق وسريع، فمن آمن بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبالقرآن دستورا ومنهاجا، وبمحمد نبيا ورسولا، وبالكعبة المشرفة قبلة، كان من الناجين السعداء في جنان الخلد، ذات النعيم المادي المترف ذي الألوان المختلفة، والنعيم النفسي التام، حيث لا همّ ولا قلق، ولا حزن ولا تعب، ومن جحد بالله أو أشرك به، ولم يؤمن برسوله، ولا بالقرآن الكريم، فهو في عذاب مستمر في نيران جهنم، مع المعاناة الدائمة والقلاقل المستمرة، وجزاء الفريق بحسب العمل في الدنيا، قال الله تعالى مبينا ذلك:
[سورة الصافات (37) : الآيات 38 الى 61]
إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ (38) وَما تُجْزَوْنَ إِلَاّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (39) إِلَاّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (40) أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (41) فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (42)
فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (43) عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (44) يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (45) بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (46) لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ (47)
وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ (48) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (49) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (50) قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ (51) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (52)
أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (53) قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (54) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ (55) قالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (56) وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (57)
أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (58) إِلَاّ مَوْتَتَنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (59) إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (60) لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ (61)
«1» «2» «3» [الصافات: 37/ 38- 61] .
يخاطب الله تعالى خطابا مباشرا للناس بما معناه: إنكم أيها الجاحدون لتذوقن العذاب المؤلم الدائم في نار جهنم، وليس جزاؤكم إلا بالحق والعدل الذي لا ظلم فيه، وهو عقابكم على أعمالكم من الكفر والمعاصي، فهي سبب الجزاء. لكن عباد الله وهم المؤمنون الذين أخلصهم الله تعالى لنفسه، وهم الطائعون ربهم، المخلصون في عملهم لله تعالى، هم ناجون لا يذوقون العذاب، ولا يناقشون الحساب، ولهم رزق معلوم حسنه وطيبه ودوامه عندهم، ويأتيهم في حين تطلعهم إليه، يشتمل على الفواكه أو الثمار المتنوعة، وبإكرام بليغ متمم للنعم، حيث يخدمون ويرفهون.
ومساكنهم في جنان النعيم الدائم، على أسرّة يتكئون عليها، ينظر بعضهم إلى وجوه بعض، بسرور وابتهاج. وشرابهم يدار عليهم بآنية من عيون جارية، فيها الخمر التي لا تسكر وغيرها من الأنبذة ونحوها، يطوف بها عليهم ولدان مخلدون.
وتلك الخمر شديدة البياض، لذيذة الطعم، طيبة الرائحة، ليس فيها أذى أو فساد، ولا تذهب بالعقول، خلافا لخمر الدنيا. وقوله: مِنْ مَعِينٍ أي من جار مطّرد.
وعندهم زوجات عفيفات، لا ينظرن إلى غير أزواجهن، ذوات عيون واسعة
(1) أي ليس في خمر الجنة أذى، ولا إذهاب للعقول.
(2)
أي في الجنة حوريات عفيفات لا ينظرن إلى غيرهن، واسعات الأعين مع الحسن.
(3)
أي في وسط الجحيم.
حسان، كأن ألوانهن من البياض المشوب بصفرة خفيفة كالبيض المصون المستور الذي لم تمسه الأيدي، ولم يتلوث بالغبار. وأقبل هؤلاء المؤمنون بعضهم على بعض في حال تمتعهم، يتساءلون عن أحوالهم التي كانوا عليها في الدنيا ومعاناتهم فيها، إتماما لنعيم الجنة.
ومن تساؤلاتهم: قال مؤمن من أهل الجنة: كان لي صاحب كافر بالبعث مقارن في الدنيا يقول: أنحن إذا صرنا أمواتا وترابا وعظاما بالية، أنكون محاسبين بعدئذ على أعمالنا ونجازى عليها؟ ذلك أمر غير ممكن ولا معقول، فهل تصدق هذا؟ ثم قال المؤمن لجلسائه: انظروا معي إلى أهل النار، لأريكم ذلك القرين الذي قال لي هذا القول، كيف يعذب ويجازى؟ فنظر المؤمن إلى أهل النار، بالرغم من كثرتهم، فرأى قرينه يتلظى بحرّ جهنم. قال المؤمن لقرينه الكافر موبخا: لقد قاربت أن توقعني في الهلاك، ولولا رحمة ربي وعصمته من الضلال، وتوفيقي للحق، وهدايتي للإسلام، لكنت من المحضرين معك في العذاب في النار.
ثم قال المؤمن لجلسائه ابتهاجا وسرورا بنعيم الجنة: ألسنا مخلّدين في نعيم الجنان إلى الأبد، فلا نموت إلا موتتنا السابقة في الدنيا، ولسنا بمعذبين كما يعذب أصحاب النار؟
إن هذا النعيم الدائم الخالد، لهو الفوز الأكبر الذي لا يوصف، ولمثل هذا النعيم والفوز، ليعمل العاملون في الدنيا، ليحظوا به، لا أن يعملوا لحظوظ الدنيا الفانية فقط، المقترنة بالمخاطر والآلام، والمتاعب الكثيرة، والمراد: أن المطلوب من كل عاقل هو العمل للآخرة وللجنة الخالدة، لا أن يقتصر العمل على مكاسب الدنيا وشهواتها الفانية المؤقتة، فإن عمل الآخرة هو الباقي الخالد، وعمل الدنيا فإن زائل.