الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إن إيجاد دولة قوية معززة بقيمها وأنظمتها وأنشطتها وقوة أبنائها، واعتمادها على ذاتها جهادا وتضحية، وتصنيعا وزراعة واتّجارا، هو ما أراده الله من إنزال الشرائع، وإرسال الرسل، وفيه الخير والعزة والمنعة والحفاظ على الكرامة والحقوق.
وحدة أصول الشرائع
أرسل الله تعالى الرسل بالبيّنات والمعجزات لمهام عظمي، لإقامة نظام المجتمع القوي المتين الفاضل، بالكتاب الإلهي، والعدل، وصلابة الموقف وازدهار الصناعة، ثم أتبع ذلك ببيان وحدة الرسالات الإلهية والنّبوات والشرائع في أصولها من عهد نوح وإبراهيم، ثم موسى وعيسى عليهم السلام، إلى عهد خاتم النّبيين صلوات الله وسلامه عليه، وهذا واضح في الآيات الآتية:
[سورة الحديد (57) : الآيات 26 الى 29]
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (26) ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلَاّ ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (27) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (28) لِئَلَاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلَاّ يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29)
«1» «2» «3» [الحديد: 57/ 26- 29] .
المعنى: تالله لقد بعثنا نوحا أبا البشر الثاني إلى قومه، وإبراهيم أبا الأنبياء إلى قوم
(1) أتبعنا، أي جعلناهم تابعين متأخرين عنهم في الزمان.
(2)
هي المبالغة في العبادة واعتزال الناس.
(3)
نصيبين وحظّين.
آخرين، وجعلنا الرسالة والنّبوة في ذرّيتهما، وجعلنا الكتب المنزلة فيهما. والكتاب:
يعني الكتب الأربعة، فإنها جميعا في ذرّية إبراهيم عليه السلام. وذكر نوح وإبراهيم تشريف لهما، وبيان نعم الله عليهما، ثم على ذرّيّتهما. ومع ذلك من ذرّيتهما من فسق وعاند، وهم الكثيرون، ومنهم المهتدون الطائعون. وهذا يدلّ على أن الانحراف عن جادة الحق، كان بعد التمكّن من معرفته.
ثم أتبعنا بعدهم في الزمان رسلنا، واحدا بعد الآخر، ثم خصّ الله تعالى عيسى ابن مريم بالاتباع تشريفا له، ولشهرته في عصر التنزيل القرآني، وأن الله آتاه الإنجيل، وهو الكتاب الذي أوحاه الله إليه، متضمنا أصول شرعه، ومكملا للتوراة، وموضحا حقيقة الشريعة. ومن صفات عيسى عليه السلام: أن الله جعل في قلوب أتباعه الخلّص: وهم الحواريون وأنصارهم رقّة في الطبع، ورحمة بالخلق، خلافا لليهود القساة، لكنهم ابتدعوا الرهبانية من جهة أنفسهم: وهي الانقطاع للعبادة ورياضة الروح واعتزال الناس، ولم يشرعها الله لهم ولم يأمرهم بها، ولكنهم قصدوا من ذلك ابتغاء رضوان الله، وكان مآلهم أمرين: أولهما- أنهم ابتدعوا في دين الله ما لم يأمر الله به، والثاني- أنهم لم يقوموا بحقّ ما التزموه، ولم يراعوا كونه قربة لله عز وجل، ولم يرعوه حق الرعاية، بل غيّروا وبدّلوا، فأعطينا المؤمنين منهم إيمانا صحيحا ثوابهم الذي يستحقونه بالإيمان، وكثير من هؤلاء المترهبين فاسقون خارجون عن حدود الله وطاعته، يأكلون الأموال بالباطل، وينحرفون في سلوكهم.
وناسب ما ذكر: الاتّعاظ والإعتبار وبيان ثواب المؤمنين بعيسى ومحمد عليهما الصّلاة والسّلام، فقال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ.. أي يا أيها الذين صدّقوا بوجود الله ووحدانيته، وصدّقوا رسوله من مؤمني أهل الكتاب:
اليهود والنصارى، خافوا الله تعالى، بترك ما نهاكم عنه، وأداء ما أمركم به، وآمنوا
برسوله محمد صلى الله عليه وسلم، يعطكم الله نصيبين أو ضعفين من رحمته، بسبب اكتمال إيمانكم، ويزيدكم على ذلك أنه يجعل لكم نورا تمشون به على الصراط، تهتدون به في الآخرة، ويغفر لكم ذنوبكم، والله واسع المغفرة والرحمة.
أخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل قال: لما نزلت: أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا [القصص: 28/ 54] فخر مؤمنو أهل الكتاب على أصحاب النّبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: لنا أجران، ولكم أجر، فاشتد ذلك على الصحابة، فأنزل الله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ.. الآية، فجعل لهم أجرين مثل أجور مؤمني أهل الكتاب، وزادهم النور.
ثم ردّ الله تعالى على اليهود الذين زعموا اختصاص النّبوة فيهم، فقال: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ.. أي اتّقوا الله وآمنوا، يؤتكم الأمور الثلاثة المتقدمة (وهي مضاعفة الأجر، وإيتاء النور، وغفران الذنوب) ليعلم ويتحقق الذين لم يتقوا ولا آمنوا من أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على ردّ ما أعطى الله لرسوله، ولا إعطاء ما منع عنه، وهم عاجزون من أن ينالوا شيئا من فضل الله الذي تفضّل به على المستحقين له، كالنّبوة والرسالة وغيرهما، وأن الفضل محصور بيد الله، ومنه النّبوة والعلم والتقوى، يعطيه من يشاء، والله واسع الفضل، كثير العطاء والخير لمن يشاء من عباده. والمراد: أن إيمان أهل الكتاب بكتابهم ورسولهم لا يكفي، ما لم يؤمنوا بالنّبي محمد صلى الله عليه وسلم.
أخرج ابن جرير عن قتادة قال: بلغنا أنه لما نزلت: يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ حسد أهل الكتاب المسلمين عليها، فأنزل الله: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ الآية.