الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وتبلّغهم رسالة ربّهم في العقيدة والأخلاق ودستور الحياة، وتبطل اعتذارهم بأنهم لم يأتهم رسول ولا نذير. وذلك كما جاء في آية أخرى: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (165)[النّساء: 4/ 165] .
وهذا الإنزال للقرآن والكتب السماوية السابقة: إنما هو رحمة من الله بعباده، ومن رحمته أنه لا يعذّب أحدا إلا بعد بيان، ولا يعاقب شخصا إلا بعد تكليف وإرسال رسول، وبعد التحقّق من وجود العقل الذي هو مناط التكليف.
إنكار القرآن من قبل المشركين
إن عناد الكفّار يحملهم على شتى أنواع الكفر والضلال والتكذيب، ونشاهد هذه الظاهرة جليّة في مشركي مكة، فإنهم بعد إرسال الرسل محمد صلى الله عليه وسلم إليهم، ولغيرهم من العالم، وتأييده بمعجزة القرآن، طالبوا بإنزال كتاب عليه مثل التوراة دفعة واحدة، وكانوا قبل ذلك كافرين بالتوراة. وإذا طولبوا بكتاب منزل من عند الله خير من القرآن، عجزوا وتراجعوا، مما يدلّ كل ذلك على اتّباعهم الأهواء. وأما سبب تنجيم القرآن، أي نزوله تدريجا مقسطا على حسب المناسبات، فهو تلاؤمه مع الحكمة والحاجة وعلاج النوازل، ومراعاة المصلحة، وتجاوبه مع مقتضيات كل عصر وأوان، وهذا كله حكاه القرآن الكريم، وسجّله على هؤلاء الكفرة في قول الله تعالى:
[سورة القصص (28) : الآيات 48 الى 51]
فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا وَقالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ (48) قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (49) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50) وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (51)
«1»
(1) تعاونا وهما التوراة والقرآن.
«1» [القصص: 28/ 48- 51] .
عجبا من شأن كفار قريش، موقفهم لا يتّسم بالمنطق والفكر السديد، فإنهم لما جاءهم الحق الثابت الذي لا مثيل له: وهو القرآن الكريم والنّبي محمد صلى الله عليه وسلم، قالوا بتعليم اليهود لهم: لم لا يأتي بآية مادّية باهرة، كالعصا واليد وشقّ الجبل وغير ذلك مما جاء به موسى عليه السلام، فردّ الله تعالى عليهم بأن هذا مجرد عناد ومكابرة وهروب من الإيمان، فإنهم، أو لم يكفر أمثالهم من المعاندين بما أوتي موسى من تلك الآيات العظيمة؟! فإن موقف أهل الكفر واحد، فهم وأمثالهم من اليهود لم يؤمنوا بآيات موسى عليه السلام، وقال مشركو مكة: القرآن والتوراة سحران تعاونا وتعاضدا، ومحمد وموسى ساحران متآزران متعاونان، تعاونا على الدّجل والضّلال، وصدّق كل منهما الآخر، وإنّا بكلا الكتابين والشخصين كافرون، لا نصدق بما حدّثا أو جاءا به.
فأمر الله نبيّه بأن يتحدى المشركين في مكة، ويطالبهم بكتاب خير من القرآن، قل أيها النّبي الرسول: أنتم أيها المكذّبون بهذه الكتب التي تضمّنت الأمر بالعبادات وتوحيد الله ومكارم الأخلاق، ونهت عن الكفر والشّرك والنقائص، ووعد الله تعالى عليها الثواب الجزيل، إن كان تكذيبكم لمعنى، فأتوا بكتاب من عند الله عز وجل أكثر هداية وأتم إرشادا من القرآن، أتّبعه معكم، إن كنتم صادقين فيما تقولون أو تدّعون، وتنكرون به الحق، وتؤازرون به الباطل، وهذا تنبيه على عجزهم عن محاكاة القرآن ومعارضته والإتيان بمثله.
(1) أنزل القرآن عليهم متواصلا لهم، أي أتبعنا بعضه بعضا في الإنزال.