الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تفسير سورة النبأ
إثبات البعث وتعداد النعم الإلهية
لا تكاد تجد سورة مكية (أي نزلت في مكة قبل الهجرة) إلا وفيها حديث عن البعث، إما بالإثبات وغرس اليقين حوله، بالقسم أو بإيراد أدلة عقلية وحسية على إمكانه، وإما بوصف أهواله ومخاوفه وآثاره الخطيرة التي تنحصر في شيئين: دخول الجنان أو الزج بالنيران، لأن التشريع المكي عني غالبا بالعقائد، وأهمها توحيد الله ونبذ الشرك، وإثبات النبوة أو الرسالة والوحي، ووقوع القيامة، ووصف القيامة رهيب كما في مطلع سورة النبأ المكية اتفاقا:
[سورة النبإ (78) : الآيات 1 الى 16]
بسم الله الرحمن الرحيم
عَمَّ يَتَساءَلُونَ (1) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (2) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (3) كَلَاّ سَيَعْلَمُونَ (4)
ثُمَّ كَلَاّ سَيَعْلَمُونَ (5) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً (6) وَالْجِبالَ أَوْتاداً (7) وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً (8) وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً (9)
وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً (10) وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً (11) وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً (12) وَجَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً (13) وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً (14)
لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً (15) وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً (16)
«1» «2» «3» «4» «5» «6» «7» «8» «9» «10» «11» «12» «13» «14» [النبأ: 78/ 1- 16] .
(1) عن أي شيء يسأل المشركون مرارا رسول الله؟
(2)
عن خبر البعث.
(3)
ممهدة مذللة فراشا.
(4)
كالأوتاد وهي الأخشاب المغروزة في الأرض.
(5)
أصنافا ذكورا وإناثا.
(6)
راحة لأبدانكم.
(7)
كاللباس في الستر.
(8)
وقتا للمعيشة بالكسب والعمل.
(9)
قوية محكمة.
(10)
مضيئا وقادا.
(11)
السحب والغيوم.
(12)
مطرا صبابا كثير الهطول. [.....]
(13)
الحب: ما يقتات به الإنسان كالحنطة والشعير، والنبات: ما تقتات به الدواب.
(14)
بساتين ملتفة الأشجار.
ينكر الله تعالى على المشركين المكيين وجميع العالم تساؤلهم عن القيامة، فعن أي شيء يسأل بعضهم بعضا؟ عن الخبر المهم العظيم الشأن، الذي اختلفوا في أمره، بين مكذب ومصدق، وكافر ومؤمن به، ومنكر ومقر، وشاكّ ومثبت: وهو يوم البعث من القبور بعد الموت. والمراد من الاستفهام: تفخيم الأمر وتعظيمه. وقوله تعالى: عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (2) متعلق ب يَتَساءَلُونَ، كأنه تعالى قال: لم يتساءلون عن هذا النبأ؟
كلا: كلمة ردع لهم وزجر، لا ينبغي لهم أن يختلفوا في شأن البعث، فهو حق لا ريب فيه، وليرتدعوا عن التساؤل، فإن جميع العالم سيعلمون عاقبة تكذيبهم أو إنكارهم. وكلمة (كلا) الثانية تأكيد للجملة الأولى. وهذا تهديد ووعيد. والبعث قائم حتما بقدرة الله، ومن مظاهر قدرته تعالى:
- كيف تنكرون البعث؟ وقد شاهدتم أدلة قدرة الله التامة، من جعل الأرض ممهدة مذللة للخلائق، كالمهد للصبي: وهو ما يمهد له من الفراش، للنوم والراحة، وجعل الجبال الراسيات كالأوتاد للأرض، لتسكن ولا تتحرك، وتهدأ ولا تضطرب بأهلها.
- وأوجدناكم في هذا العالم أصنافا: ذكورا وإناثا، لتحقيق التكاثر وإبقاء النوع الإنساني، وليتم التعاون والأنس بين الصنفين.
- وجعلنا نومكم راحة لأبدانكم، وقطعا لأعمالكم المتعبة في النهار، فبالنوم تتجدد القوى، وينشط العقل والجسد. والسبات: الانقطاع عن الحركة. وجعلنا الليل المظلم الهادئ سكنا تسكنون فيه، وكاللباس الذي يغطي بظلامه الأشياء والأجسام، فكما أن اللباس يغطي الجسد ويقيه من الحر والبرد، ويستر العورات، كذلك الليل يستتر فيه من أراد الاختفاء لقضاء مصالح لا تتوافر في النهار.
- وجعلنا وقت النهار مشرقا مضيئا، ليتمكن الناس من تحصيل أسباب المعيشة، والتكسب، والاتجار، والزراعة والصناعة، وممارسة الخدمات الفنية والعملية وغيرها.
- وبنينا فوقكم سبع سموات قوية الخلق، محكمة البناء، متقنة الصنع، مزينة بالكواكب الثوابت والسيارات المتنقلة، وجعلنا الشمس سراجا مضيئا على جميع العالم، ينشر الضوء والحرارة، ويستفيد منه كل الكائنات الحية.
- وأنزلنا من السحب القاطرة، والغيوم المتكاثفة التي تنعصر بالماء، ولم تمطر بعد، مطرا منصبا بكثرة وغزارة، كثير السيلان، لنخرج بذلك الماء الكثير الطيب النافع، حبا يقتات به الناس، مثل القمح والشعير والذرة، والأرز، ونباتا تأكله الدواب، من التبن والحشيش وسائر النباتات، وبساتين وحدائق ذات بهجة وأشجار وأغصان ملتفة على بعضها، وثمرات متنوعة، وألوان مختلفة، وطعوم وروائح متفاوتة، وإن كان ذلك في بقعة أرضية واحدة، يسقى من ماء واحد، وتتفاضل ثمارها في المأكل والتفكه، كما جاء في آية أخرى: وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [الرعد: 13/ 4] .
والثجّاج: السريع الاندفاع، كما يندفع الدم من عروق الذبيحة، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الترمذي عن ابن عمر-:«أفضل الحج: العجّ والثجّ» . أي رفع الصوت بالتلبية، وصب دماء البدن وإراقتها، والمراد: التضرع بالدعاء الجهير، وذبح الهدي. والحب: جنس الحبوب الذي ينتفع به الحيوان. والنبات: الذي يستعمل رطبا لإنسان أو بهيمة، لذا ذكر الله تعالى موضع المنفعتين.