الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تفسير سورة الطور
إيقاع العذاب بالكفار يوم القيامة
أقسم الله تعالى ببعض مخلوقاته تنويها بشأنها على تمام قدرته وشمولها، في إيقاع العذاب بالكفار يوم القيامة، وهذا القسم عظيم يشمل المقسم به من الجبال، والمدّونات الإلهية في الصحف، والكعبة المشرفة، والسماء العالية، والبحار المترعة بالماء، والعذاب المذكور يكتنفه أهوال شدائد، ومخاطر مدلهمة محيطة بأهل العذاب، منها اضطراب السماء، ودك الجبال، وذعر أهل الضلال، ودفعهم بعنف إلى نار جهنم وإدخالهم فيها ومقاساة شدائدها، كما تذكر هذه الآيات في مطلع سورة الطور المكية:
[سورة الطور (52) : الآيات 1 الى 16]
بسم الله الرحمن الرحيم
وَالطُّورِ (1) وَكِتابٍ مَسْطُورٍ (2) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (3) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (4)
وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (5) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (6) إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ (7) ما لَهُ مِنْ دافِعٍ (8) يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً (9)
وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً (10) فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (11) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (12) يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (13) هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (14)
أَفَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ (15) اصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (16)
«1» «2» «3» «4» «5» «6» «7» «8» «9» [الطور: 52/ 1- 16] .
(1) قال بعض اللغويين: كل جبل فهو طور، فكأنه تعالى أقسم بالجبال، إذ هو اسم جنس.
(2)
الكتاب المنزل من عند الله وهو يشمل الكتب الأربعة: التوراة والزبور والإنجيل والقرآن وغيرها.
(3)
في جلد رقيق مبسوط.
(4)
الكعبة المشرفة.
(5)
السماء العالية.
(6)
البحر المملوء ماء.
(7)
تتحرك وتضطرب.
(8)
يدفعون دفعا عنيفا.
(9)
ادخلوها.
المعنى: أقسم (أنا الحق) بالطور، أي بكل الجبال، والطور اسم جنس للجبال عند أهل اللغة، وبالكتاب المكتوب أسطارا الذي يشمل الكتب الإلهية المنزلة كالتوراة والإنجيل والزبور والقرآن وغيرها، في الورق المعد للكتابة، المبسوط غير المطوي، وبالكعبة المشرفة التي تعمّر كل عام بالحجاج والزوار، وتعميرها للإعلام بشأن الكعبة، وبالسماء العالية التي هي كالسقف، وبالبحر المملوء ماء، المحبوس عن الأرض، إن المقسم عليه وهو عذاب الله لواقع كائن في القيامة لا محالة، لمن يستحقه من الكافرين والعصاة الذين كذبوا الرسل.
ويصاحب وقوع العذاب: اضطراب السماء اضطرابا شديدا، وإزالة الجبال من مواضعها كسير السحاب، وصيرورتها هباء كالصوف المندوف.
فويل، أي هلاك وسوء ومشقة أو واد في جهنم لأولئك الذين كذّبوا الرسل، في ذلك اليوم، من شدة هذا العذاب، وهم الذين كانوا يتخبطون في الأباطيل، فيكذبون بالقرآن، ويستهزئون بالنبي. والفاء في قوله فَوَيْلٌ لاتصال المعنى، وهو الاعلام بأمان أهل الإيمان، أما أهل الكبائر من المسلمين فلا يخلّدون في النار، لأنهم لا يكذبون الرسل.
ويكون إلقاء المكذبين في النار بأن يدفعوا إليها دفعا عنيفا شديدا، وفي إهانة وتعتعة. وكلمة يَوْمَ يُدَعُّونَ يوم: بدل من يَوْمَئِذٍ.
ويقال لهم تقريعا وتوبيخا من قبل الزبانية- وهذا كلام محذوف مختصر-: هذه النار التي تشاهدونها هي النار التي كنتم تكذبون بها في الدنيا، والتكذيب بها:
تكذيب للرسول الذي أخبر بها من طريق الوحي.
ويقال لهم أيضا تذكيرا بما كانوا يقولون في الدنيا: أهذا الذي ترون: سحر كما
كنتم تقولون لرسل الله المرسلة ولكتبه المنزلة؟ بل إنه الحق، ولكنكم أنتم عمي وعن هذا، كما كنتم عميا عن الحق في الدنيا، والواقع: أن المرئي حق، ولا عمى في البصر.
ومما يقال لهم كذلك تيئيسا لهم وقطعا لرجائهم: ادخلوا النار وتلظوا بحرها، وقاسوا شدائدها، سواء صبرتم عليها أم لم تصبروا، فلا ينفعكم شيء، وعذابكم حتم، جزعتم أم صبرتم، فلا بد من جزاء أعمالكم، والجزاء بالعمل كائن، خيرا أو شرا، كان الصبر أو الجزع، لا محيد لكم عن النار، ولا خلاص لكم منها، ولا يظلم ربك أحدا، بل يجازي كل إنسان بعمله.
هذه أخبار موجعة مؤلمة، تدل على تطبيق مبدأ الحق والعدل، كما تدل على القدرة الإلهية الشاملة، وعلى إثبات يوم الحساب، وما يستتبعه من ثواب أو عقاب، وعلى إمكان البعث.
فالعاقل الذي يريد الخير لنفسه وإسعاد ذاته، يبادر إلى الإيمان بما أخبر الله تعالى به من الغيبيات الأخروية، ومن آمن بشيء بذل كل جهده في التوصل إلى مآربه، والظفر برضوان الله تعالى، فيكون الإيمان بيوم البعث دافعا إلى الخير والعمل الصالح، ومحذّرا من الشر والمنكر والعمل الضار.
وغير العاقل عقلا واعيا يسير على وفق هواه وشهواته، ولا يأبه بهذه المواعظ والزواجر، وتراه مضطرب النفس في الدنيا، حائرا تائها في مسيرة الحياة، وفي الآخرة أشد توجعا وقلقا، ويأسا، وندما، فهو يجني حصاد ما قدم في دنياه، ويلقى المصير المناسب لعمله.