الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حكم الله تعالى في الفئة الباغية ألا يجهز على جريح، ولا يطلب هارب، ولا يقتل أسير» «1» .
ولا ضمان في أثناء القتال بين الفئتين المتحاربتين، فإذا لم يقع قتال، نفّذت الأحكام العادية العامة، فيجب القصاص من القاتل عمدا، وتجب الدية في القتل الخطأ، والكفارة.
إن تحكيم كتاب الله والرضا بما فيه، وإفهام المتأولين خطأ تأويلهم هو قاعدة حل المنازعات الداخلية في الإسلام، ولو طبقت هذه القاعدة لما وجدنا اقتتالا قائما بين المسلمين.
الآداب الاجتماعية ووحدة الشعوب في الإنسانية
الدين رباط جامع بين العقيدة والعبادة، والمعاملة، والأخلاق أو الآداب، وليست الآداب مجرد صفات ترفيه أو كمالية في الإسلام، وإنما هي من صلب الدين، يحكمها مبدأ الحلال والحرام، والثواب والعقاب، والرضا والسخط، خلافا لما يظن بعض الناس خطأ أن الأخلاق صفة كمالية لا تخضع للحساب والعقاب، ومن المعلوم أن تقدم المجتمعات ورقيها إنما يكون بالأخلاق السوية والآداب العالية، لذا كانت سورة الحجرات كلها في الأخلاق والمبادئ الاجتماعية والإنسانية، ومنها هذه الآيات:
[سورة الحجرات (49) : الآيات 11 الى 13]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (12) يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)
«2» «3» «4» «5»
(1) ذكره القرطبي.
(2)
لا يهزأ ولا يحتقر.
(3)
لا يطعن ولا يعب بعضكم بعضا.
(4)
لا تتداعوا بالمكروه من الألقاب.
(5)
ساء الاتصاف بالفسق بعد توافر الإيمان بسبب سواء الآداب.
«1» «2» [الحجرات: 49/ 11- 13] .
ينهى الله تعالى عن السخرية واحتقار الناس، والنهي يفيد التحريم، فيا أيها المصدقون بالله ورسوله، لا يهزأ رجال من آخرين، فربما كان المهزوء به عند الله خيرا من المستهزئ أو الساخر، ولا تهزأ نساء من نساء أخريات، فلربما كانت المهزوء بها أفضل وأكرم عند الله من المستهزئة، ولا يطعن ولا يعب بعضكم بعضا بقول أو فعل أو إشارة، ولا تتداعوا بالألقاب التي يسوء الشخص سماعها، ساء الوصف الذي يوصف به الرجل: وهو الفسق والفجور، بعد اتصافه بالإيمان، فالإيمان فضيلة زاجرة عن ضده وهو الفسق والكفر، ومن لم يتب عما نهى الله عنه من هذه الأوصاف الثلاثة (وهي السخرية، واللمز أو التعييب، والتنابز بالألقاب) فهو من الظالمين أنفسهم وغيرهم، لأن الإصرار على المنهي عنه كفر وظلم.
قال الضحاك: نزلت في وفد بني تميم الذين نزلت الآية الأولى من سورة الحجرات فيهم، استهزءوا بفقراء الصحابة، مثل عمار وخبّاب وابن فهيرة وبلال وصهيب وسلمان وسالم مولى أبي حذيفة وغيرهم، لما رأوا من رثاثة حالهم، فنزلت في الذين آمنوا منهم.
وآية وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ نزلت كما
قال ابن عباس في صفية بنت حييّ بن
(1) لا تبحثوا عن العورات والمعايب ولا تكشفوها.
(2)
الشعب: أعظم ما يوجد من جماعات الناس من نسب واحد، ثم القبيلة، ثم العمارة، ثم البطن، ثم الفخذ، ثم الأسرة والفصيلة، وهم قرابة الرجل الأدنون.
أخطب، أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، إن النساء يعيّرنني، ويقلن لي: يا يهودية بنت يهوديين!! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هلا قلت: إن أبي هارون، وإن عمي موسى، وإن زوجي محمد» فأنزل الله هذه الآية.
وآية وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ نزلت- كما أخرج أصحاب السنن الأربعة عن أبي جبيرة بن الضحاك- قال: كان الرجل منا يكون له الاسمان والثلاثة، فيدعى ببعضها، فعسى أن يكرهه، فنزلت: وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ.
ثم أمر الله باجتناب سوء الظن، وحرمه، فيا أيها المصدقون بالله ورسوله، ابتعدوا عن كثير من الظن، فبعض الظن وهو ظن السوء بأهل الخير موقع في الإثم، لنهي الله عنه، وكل رشيد يحترس من سوء الظن ويسد ذرائعه، ثم نهى الله عن التجسس، فلا تبحثوا عن عورات المسلمين ومعايبهم، وتذيعوا أسرارهم ومثالبهم، والتجسس: البحث عما هو مكتوم، من العيوب. والتحسس: البحث عن الأخبار، والاستماع لحديث القوم وهم له كارهون، ثم حرم الله الغيبة: وهي ذكرك أخاك بما يكره، فلا يذكر بعضكم بعضا في غيبته بما يسيء إليه، صراحة أو إشارة، لما فيه من الأذى بالمغتاب، وهو يتناول كل ما يؤذي الآخرين، سواء في الدين أو الدنيا، في الخلق أو الخلق، في المال أو الولد أو الزوجة أو الخادمة أو اللباس ونحو ذلك.
وشبه الله تعالى الغيبة بأكل لحم الإنسان الميت للتنفير، وهو ما يكرهه كل إنسان، وإذا كان يكرهه، فالغيبة مثله، فهي كأكل جثة الإنسان، وهذا تنفير وتوبيخ وتقبيح شديد، فضلا عن كونه محرما شرعا، أي إن الغيبة حرام شراعا، وقبيحة عقلا وعرفا ودينا.
أخرج ابن المنذر عن ابن جريح قال: زعموا أن آية وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً نزلت في سلمان الفارسي، أكل ثم رقد، فذكر رجل أكله ورقاده، فنزلت.